Posted by: kelma | 5 أبريل 2011

دبلوماسي اسرائيلي يكتب عن “الجزيرة”.. اشهر قناة اخبارية في العالم العربي:


دبلوماسي اسرائيلي يكتب عن القناة الاخبارية الاشهر بالعالم العربي:

قطر وجدت نفسها فجأة تحت المجهر والسبب قناة اسمها “الجزيرة

ترجمة: محمد البحيري

عن مكتبة «جزيرة الورد» صدرت هذا الأسبوع الترجمة العربية لكتاب «إسرائيل علي جبهة الخليج العربي» الذي كتبه الدبلوماسي الإسرائيلي سامي ريفيل، أول رئيس لمكتب العلاقات بين قطر وإسرائيل، وترجمه عن العبرية الكاتب الصحفي «محمد البحيري» بعنوان «قطر وإسرائيل.. ملف العلاقات السرية»، الكتاب يشير إلي الخصوصية التي ميزت دولة قطر بالتحديد نظرا لخزائنها الممتلئة بالذهب والتي جعلتها تلعب دورا لافتا في منطقة الشرق الأوسط بما يتعدي أبعادها الجغرافية وحجم سكانها. سامي ريفيل واحد ممن كان لهم باع طويل في دفع التطبيع بين إسرائيل والعديد من الدول العربية خصوصا أنه كان أول دبلوماسي إسرائيلي يعمل في قطر، و قد لمح ريفيل في كتابه عن الكيفية التي وصل من خلالها أمير قطر الحالي حمد بن خليفة آل ثان إلي الحكم إضافة إلي بعض المعلومات والأسرار التي تكشف كيف نشأت العلاقات بين قطر وإسرائيل وكيف كانت تدار. نعرض في السطور التالية الفصل الخاص بقناة الجزيرة الفضائية التي أصبحت نموذجا إعلاميا جديرا بالتقليد والمحاكاة لكن تكثر عليها التساؤلات والشبهات أحيانا.

خطوة دراماتيكية

من بين كل الخطوات الدراماتيكية التي بادر إليها الأمير القطري الجديد بعد توليه الحكم عام 1995 كان إطلاق قناة الجزيرة الفضائية هو ما جعل اسم الإمارة الصغيرة التي تقع في قلب الخليج العربي اسما معروفا في جميع أنحاء العالم. وأدي نجاح القناة وانتشارها إلي تسليط الأضواء علي قطر باعتبارها دولة عربية مستقلة ذات طبيعة خاصة. وفي تلك الأثناء أحدثت القناة التي تقع استوديوهاتها في شمال مدينة الدوحة، ثورة حقيقية في الإعلام العربي، وقادت تغييرا حادا في شكل ومضمون برامج المتابعة الإخبارية التي يجري بثها لمشاهدي التليفزيون في الشرق الأوسط وكل متحدثي اللغة العربية في جميع أنحاء العالم.

الجزيرة نموذجا

وأصبحت قناة الجزيرة نموذجا جديرا بالتقليد والمحاكاة من جانب وسائل الإعلام في العالم العربي بفضل الأسلوب الجديد في تقديم التقارير الإخبارية المباشرة والمفتوحة، التي تغطي موضوعات مثيرة للجدل وتوجيه النقد اللاذع لأنظمة الحكم العربية وبرامج الاستضافة «التوك شو» العاصفة التي تشهد مواجهات نقاشية ساخنة بين خصوم سياسيين من مختلف التيارات والاتجاهات وعلي جميع المستويات ممن تكون لديهم وجهات نظر متباينة بشأن الأحداث في أفغانستان والعراق والسلطة الفلسطينية. ولكن نجاح الجزيرة لم يكن مجانا. فقد أصبحت قطر بسبب القناة وبرامجها هدفا للانتقادات القاسية من جانب أنظمة الحكم العربية التي وجدت نفسها فجأة تحت عدسة مكبرة وتحت المجهر، كما تلقت انتقادات أيضا من جانب مسئولين بالإدارة الأمريكية ممن يعتقدون أن برامج القناة تساهم في التحريض علي الولايات المتحدة الأمريكية، وكان الانتقاد الموجه للقناة من كلا الجانبين يثير الأسئلة حول دور الجزيرة في صياغة الرأي العام في الشرق الأوسط وما وراءه. وترتبط هذه الأسئلة بشكل وطيد بإشكالية الهوية العربية في المستقبل، بما في ذلك إمكانية إطلاق مسيرة التحول الديمقراطي مع الحفاظ علي استقراره والقدرة علي الاحتفاظ بالجسور اللازمة بينه وبين الغرب والولايات المتحدة في مواجهة التطرف المتزايد بالمنطقة. بدأ بث الجزيرة في 1 نوفمبر 1996، بعد سنة بقليل من انقلاب الحكم الذي أتي بالشيخ حمد بن خليفة آل ثان حاكما للبلاد خلفا لوالده الذي أطيح به، وكانت الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي طلب الأمير تنفيذها وإجراءها مازالت في بدايتها آنذاك ووقف خلف تدشين الجزيرة السعي إلي أن تصبح منصة دولية يتم التعبير من خلالها عن جرأة وطموح القيادة القطرية الجديدة، وكانت هناك ثمة دلالة ما من أن إنشاء قناة الجزيرة جاء بعد بضعة أشهر فقط من افتتاح مكتب تمثيل المصالح الإسرائيلية في الدوحة، من منطلق أن كلا من الحدثين كان بمثابة حجر أساس للطريق الاستثنائي الذي تسعي قطر للسير فيه.

التمويل

وكان إنشاء قناة الجزيرة نتاج مبادرة لشخصيات مركزية في الحكم القطري، وعلي رأسهم الأمير نفسه ووزير خارجيته الديناميكي وصاحب التأثير الكبير الشيخ حمد بن جاسم آل ثان. ومن أجل تمويل بداية عمل القناة، حولت حكومة قطر 137 مليون دولار إلي ميزانية القناة، وقام رجال أعمال قطريون بتحويل مساهماتهم إلي القناة بصورة غير مباشرة. وكان هناك جزء واضح من الميزانية مطلوبا لتمويل الأجور الضخمة وتوفير المعيشة الفارهة والسخية لنخبة و«زبدة» الإعلام العربي، لأن قطر كانت بعيدة عن مركز صناعة الثقافة والصحافة في العالم العربي. واقتنع جزء من كبار المذيعين بالانضمام إلي قناة «الجزيرة» أيضا بسبب إيمانهم بقدرة القناة علي إحداث تغيير حقيقي في مجال الإعلام بالشرق الأوسط، ولكن موافقة أغلبهم علي الانتقال للعيش في الدوحة كانت نابعة من الإغراء المالي الهائل. ومع ذلك أثبت هذا الاستثمار جدواه وحقق المطلوب منه، لأن المستوي العالي لرجال الإعلام الذين نجحت الجزيرة في تجنيدهم للعمل لديهم ومن بينهم 25 صحفيا كانوا يعملون بمحطة الإذاعة البريطانية «بي. بي. سي» الناطقة باللغة العربية والتي انهارت قبل وقت قصير من ذلك كان مفتاحا مركزيا في الصعود السريع للقناة الفضائية القطرية. وعبرت قطر عن طموحها وأهدافها من إقامة هذه القناة عبر الاسم الذي أطلقته عليها «قناة الجزيرة» التي تنسب إلي شبه الجزيرة العربية التي تقع في مركزها المملكة العربية السعودية، وانتشر منها الإسلام والثقافة العربية. وجاء اختيار الاسم ليعبر عن نبوءة قادة قطر لوضع الإمارة في مقدمة المنصة والتأثير علي مستقبل الخليج العربي والشرق الأوسط بأكمله، عن طريق جعل الجزيرة أكثر القنوات العربية تفاعلا وحرية بالعالم العربي. ومن خلف هذه النبوءة وقف الاعتراف بأنه في عصر الإنترنت والإعلام الجماهيري لم يعد ممكنا إخفاء المعلومة أو الخبر عن الجمهور ولذلك ينبغي علي قطر أن تنضم إلي جبهة صناعة المعرفة، التي تكسبها قوة تأثير هائلة علي الرأي العام. وبطريقة عملية تحقق الأمر عبر وضع مقاييس ومعايير جديدة للتقارير الإخبارية التي تبثها القناة، والتي كانت تختلف بشكل مطلق عما كان معروفا في الدول العربية حتي ذلك الحين، ومازالت السلطات الحكومية العربية تسيطر علي قنوات التليفزيون الرسمية، واعتاد مشاهدوها علي بث أخبار تركز علي الفعاليات والأحداث الرسمية والبث الحي لمراسم الاستقبال الرسمي وتقارير مملة عن لقاءات بين الرؤساء يتم تلخيصها بشكل عام في كلمات جافة، مثل: «وبحث الزعيمان القضايا المتعلقة بالعلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك، وفي المقابل عرضت الجزيرة لأول مرة قناة تليفزيونية ديناميكية باللغة العربية تبث علي مدار 24 ساعة يوميا أخبارا مهمة ذات مضمون فعلي بأسلوب يذكر بالشبكات الإخبارية الدولية المتقدمة. ونتيجة لذلك تحولت الجزيرة إلي قناة إخبارية رائدة في العالم العربي خلال وقت قصير من انطلاقها، وأدي هذا النجاح السريع إلي زيادة شهية القائمين علي القناة الذين لم يكتفوا بالساحة الإقليمية وأعربوا بكل وضوح وصراحة عن طموحهم لمنافسة أكبر وسائل الإعلام في العالم.

الطموح الدولي

وبدأ تحقيق الطموح الدولي لقناة الجزيرة من ملصق «بوستر» تم توزيعه في تلك الفترة يحمل شعارا علي خلفية عين ضخمة، ويقول الشعار: «الجميع يشاهدون CNN  فما الذي تشاهده  CNN ؟ إنها تشاهد الجزيرة» وبدا هذا الشعار خياليا في البداية، لكنه تحول بسرعة إلي واقع، بعد أن كانت الجزيرة أول من يصل إلي القصص الإخبارية الرئيسية حتي قبل أكبر وأهم الشبكات الإخبارية في العالم. وكان الحدث الفارق والمهم في ذلك هو عملية «DESERT FOX» أو «ثعلب الصحراء» التي قام الأمريكيون خلالها بمهاجمة أهداف داخل العراق، في شهر ديسمبر 1998، إذ تم بث أول صور تليفزيونية مدهشة للمواقع التي أصابتها صواريخ البحرية الأمريكية في بغداد حاملة شعار قناة الجزيرة الذي بات معروفا منذ ذلك الوقت. ويضاف إلي ذلك أنه بعد أسبوعين من بدء الهجوم الأمريكي نجحت القناة القطرية في أن تحظي بأكبر نسبة مشاهدين عندما سبقت كل القنوات الأخري في بث كلمة الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين الذي دعا إلي ثورة عامة في العالم العربي. ولم يكن اختيار صدام حسين لقناة الجزيرة وليد الصدفة، وإنما نبع من رغبته في الوصول إلي أكبر عدد ممكن من المتلقين والمشاهدين في العالم بعد أن تم تدمير محطة التليفزيون العراقي بقذائف أمريكية. وبالنسبة للقناة القطرية التي ادعت بشدة أنها مفتوحة أمام كل زعيم عربي ليقول ما يشاء كان ذلك بلا شك إحدي اللحظات التي ساهمت في ترسيخ مكانة القناة في وعي الجماهير العريضة.

الأسلوب الثوري

وبالإضافة إلي الجانب الإخباري المتميز أراد الجميع في العالم العربي مشاهدة الجزيرة أيضا بسبب أسلوبها الثوري في برامج الاستضافة والبرامج الحوارية التي تبثها، والتي تثير خلافات حول قضايا تتصدر اهتمامات المجتمع العربي وتمس أعصابه بشكل مباشر. وكانت برامج أسبوعية مثل الاتجاه المعاكس، أكثر من رأي، حوار مفتوح، بلا حدود، والتي يتم بثها علي الهواء مباشرة هي التي حطمت كل القواعد المكتوبة عن البرامج التفاعلية في العالم العربي، عبر تقديمها مواقف وآراء متناقضة ونقاشا عاصفا في قضايا حساسة للغاية مثل التطرف الإسلامي، والقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي وقضية القومية الكردية، والديمقراطية وحقوق الإنسان في الدول العربية ومكانة المرأة. وكان الحديث بلا رقابة أو محظورات في موضوعات حساسة كهذه، بعد كل وسائل الرقابة وموانع نقل المعلومات في دول المنطقة العربية يشكل مصدرا لإثارة اهتمام مواطني هذه الدول المتابعين لبرامج الجزيرة. يضاف إلي ذلك إمكانية أن يتصل كل مشاهد بالاستوديو ليشارك في النقاش الدائر مع الضيف مما أضاف مزيدا من النجاح والتميز لبرامج الاستضافة في القناة، لأن شدة حساسية النقاش في تلك البرامج تصل في أحيان كثيرة إلي حد الصراخ والسباب الشخصي المتبادل، الذي لا مكان له طبعا في القنوات العربية الرسمية. ويمكننا أن نضيف إلي ذلك حقيقة مهمة تتعلق بأن هذه البرامج استضافت أناسا وشخصيات لم تظهر من قبل علي شاشات التليفزيون العربية، بما في ذلك مسئولين إسرائيليين من بينهم وزراء وأعضاء كنيست ومتحدثين رسميين باسم حكومة إسرائيل، وفي أعقاب ذلك زادت بدرجة واضحة نسبة تعرض المشاهدين للجانب الإسرائيلي في أية قصة، وحظوا بمشاهدة بث حي لمناقشات عاصفة خلال مواجهة بين ضيوف إسرائيليين وضيوف فلسطينيين ومشاركين من دول عربية مختلفة. وبذلك تجاهلت الجزيرة الأسلوب الذي تم فرضه علي وسائل الإعلام العربية قبل إقامتها، ذلك الأسلوب الذي رفع راية المقاطعة التامة لكل المسئولين الإسرائيليين، وواصلت الجزيرة سياستها تلك رغم نيران الغضب التي تلقتها من أولئك الذين لقبوها بأنها «قناة صهيونية» ورغم الادعاءات التي قيلت بشأنها من أن كثرة ظهور الإسرائيليين علي القناة يساهم في مسيرة الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها والاعتراف بمكانتها في الشرق الأوسط. هذا التجديد الذي قدمته الجزيرة في برامجها هو أحد العوامل الأساسية التي جعلت عشرات الملايين من الأشخاص في جميع أنحاء العالم، بعد ذلك بوقت قصير، يشاهدون برامج القناة الفضائية كل يوم. حقا أن معظمهم يقيمون في العالمين العربي والإسلامي، ولكن هناك عدد ليس قليل منهم في مناطق أخري من الولايات المتحدة الأمريكية في الغرب وحتي الصين واليابان في الشرق. وفي المقابل، فإن التجديد الذي أتت به القناة الفضائية القطرية، جعلها ضيفا، بل فردا من أفراد العائلة في كل بيت في مناطق واسعة من العالمين العربي والإسلامي، بما وضعها مرة بعد مرة علي طريق التصادم مع أغلب أنظمة الحكم في الدول العربية. وفي الواقع لم تكن هناك دولة عربية واحدة، باستثناء قطر طبعا، لم تر أن الضرر أصابها ولم تعبر في وقت أو آخر عن احتجاجها علي برامج الجزيرة. بل إن الأنظمة العربية بصفة خاصة شعرت أنها مهددة بالفعل من الأسلوب الذي تعمل به البرامج التفاعلية بالقناة، لأنها تتيح لأول مرة لمعارضيهم الظهور في الاستوديو والهجوم عليهم وإثارة نقاش حاسم بشأن الأوضاع الداخلية في الدول العربية وهو الأمر الذي لم يكن تصوره ممكنا قبل ميلاد الجزيرة. ونتيجة لذلك اتخذت
العديد من الدول العربية إجراءات عقابية أكثر من مرة ضد قناة الجزيرة ومراسليها تعبيرا عن الاحتجاج علي ما بدا بنظر تلك الدول مسا بسيادتها فوق أراضيها.

مصر والجزيرة

ووقعت مواجهة شهيرة بصفة خاصة بين مصر والمحطة في شهر أكتوبر 2000، وكان ذلك في الأيام الأولي من اندلاع أعمال العنف التي عرفت في الشارع العربي باسم «انتفاضة الأقصي» حيث دعا كثيرون في المنطقة إلي الجهاد ضد إسرائيل. وعلي هذه الخلفية تم بث برنامج «الاتجاه المعاكس» الذي يقدمه المذيع السوري فيصل القاسم الذي يعد المذيع الأكثر شعبية في الجزيرة، وناقش المسألة التالية: «هل ينبغي علي الحكام العرب أن يسمحوا لرعاياهم بتنفيذ أعمال الجهاد ضد إسرائيل؟» وكان الجو المحيط والموضوع المثير للخلاف الذي اختاره البرنامج والمذيع المعروف بميوله للاستفزاز والتحريض والإثارة تسببت في دخول المتحدثين بالبرنامج في معركة صوتية. وأثناء تبادل الحديث ادعي الشيخ نادر تميمي، مفتي جيش التحرير الفلسطيني أنه ينبغي علي مصر أن تطرد السفير الصهيوني من أراضيها. وأطلق الشيخ تميمي سهامه باتجاه الرئيس المصري حسني مبارك علي خلفية اعتراضه علي الحرب مع إسرائيل ودعا إلي إسقاط نظامه الحاكم. وكأن الفوضي التي كانت في الاستوديو لم تكن كافية، أتاح البرنامج لأحد المشاهدين أن يتحدث بعد أن اتصل هاتفيا بالبرنامج وراح يطلق كلمات المديح بحق قاتلي الرئيس المصري أنور السادات، وكما هو متوقع أدت هذه الكلمات إلي إثارة الغضب في القيادة المصرية وادعي مسئولون مصريون أن القناة تعمل علي زعزعة استقرار الحكم في مصر، عبر دعوتها لممثلي المعارضة الإسلامية المتطرفة للظهور في برامجها بل وهددوا باتخاذ خطوات ضد القناة إذا استمرت مثل هذه الأمور. ولم يكن الغضب وفقدان الصبر في مواجهة ظاهرة اسمها الجزيرة نصيب مصر فقط، فقد وقعت مواجهات مشابهة مع الكثير من أنظمة الحكم العربية الأخري، وأعربت الجزائر عن غضبها من استضافة ممثلي المعارضة في برامج الجزيرة عندما علم النظام الحاكم هناك عن عزم القناة بث برنامج عن أعمال القمع التي يمارسها الجيش الجزائري ضد المنظمات الإسلامية المتمردة. وتوترت علاقات الأردن مع قطر أيضا وأغلقت مكاتب الجزيرة في العاصمة الأردنية عمان لفترة ما عقب بث برنامج بعنوان «4 سنوات علي اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل» قام خلاله ضيف سوري باتهام العاهل الأردني الراحل الملك حسين بالتعاون مع إسرائيل، بل إن مكاتب القناة في رام الله تعرضت هي الأخري للإغلاق عام 2001 لعدة أيام بأوامر من السلطة الفلسطينية، بعد بث تنويه وإعلان لبرنامج علي الجزيرة عن الحرب في لبنان، تضمن صورة تم اعتبارها مسا باحترام وكرامة ياسر عرفات. وكانت موجات الاحتجاج علي القناة حاضرة أيضا لدي جيران قطر القريبين منها علي الخليج العربي، حيث وجدوا صعوبة في قبول تغيير قواعد اللعبة التي كان من المحظور بموجبها توجيه انتقادات من دولة إلي شقيقتها الأخري في المنطقة. فقد صبت الكويت علي سبيل المثال غضبها علي قناة الجزيرة في عهد حكم صدام حسين بدعوي أن القناة موالية للعراق وعندما بلغ الغضب ذروته لدي الكويتيين أرسلوا وزيرا رفيع المستوي إلي الدوحة من أجل بث الشكوي في أذن السلطات هناك من الانتقاد الذي تلقته سياسة الكويت في أحد برامج القناة. أما البحرين أقرب جيران قطر والتي كانت علاقتهما متوترة من تلقاء نفسها بسبب مقابلة مثيرة للجدل مع ممثل المعارضة في البحرين. وكما هو معروف كانت المملكة العربية السعودية أيضا خلال السنوات الأخيرة علي طريق التصادم الدائم مع الجزيرة، بسبب الملاحظات الانتقادية التي يتم بثها في مناسبات كثيرة ضد العائلة السعودية المالكة. وفي أعقاب ذلك حددت المملكة أنشطة الجزيرة علي أراضيها، وفي العامين 2003 و2004 منعتها من نقل مشاعر الحج. والأكثر من ذلك أنه في نوفمبر 2005 ترددت أنباء عن أنه ردا علي «الحملة المعادية للسعودية» التي تبثها القناة عرقلت المملكة مشروعا لإنشاء أنبوب لتنقل الغاز بين قطر والكويت.

التشكيك في مصداقيتها

بسبب الخوف من الجزيرة بذل الكثير من المسئولين في العالم العربي جهودا كثيرة من أجل التشكيك في مصداقية القناة عبر نشر ادعاءات بأنها تمثل مصالح غربية، بل أمريكية وصهيونية بالأساس، وأنها تدار بمعرفة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» وجهاز الاستخبارات الإسرائيلية الموساد. وقيل أيضا: إن نظام الحكم القطري الذي يقف خلف قناة الجزيرة يستخدمها لأعمال الابتزاز السياسي من دول بالمنطقة لصالح جهات أجنبية. وكانت هناك تداعيات اقتصادية ومالية علي قناة الجزيرة من الحرب الكلامية وعرقلة عملها علي الأرض، في مواجهتها مع أنظمة الحكم العربية التي شعرت أنها تتعرض للضرر من برامج بث القناة القطرية، وجاءت الخسائر المالية علي نحو يتناقض مع الشعبية الهائلة للقناة، حيث امتنع كبار المعلنين الموجودين بشكل أساسي في المنطقة العربية عن الإعلان في القناة خوفاً من تأثير ذلك علي أنشطتهم الاقتصادية، فعلي سبيل المثال، ربما كانت شركات ووكالات الإعلان التي يقع مقرها في المملكة العربية السعودية، وتضم أكبر عدد من المستهلكين في شبه الجزيرة العربية، ربما كانت مهتمة بالإعلان عن منتجاتها والوصول إلي جمهور مشاهدي الجزيرة، ولكن امتنعت غالبيتها خوفاً من غضب النظام الحاكم بالمملكة، وبناء علي ذلك، رغم النجاح الكبير للجزيرة، كان علي شخصيات من الأسرة الحاكمة في قطر- وعلي رأسهم الأمير- ان يواصلوا تمويل القناة بسخاء طوال سنوات وجودها. علي ما يبدو كان من الممكن التفكير في ان استعداد الجزيرة للإمساك بالثور من قرنيه، ومنحها منصة للأصوات الداعية بوضوح إلي تغيير أنظمة الحكم العربية، سوف يمنحها تزكية كي تحظي بشكل أوتوماتيكي، بدعم الإدارة الأمريكية التي تدعم التحول الديمقراطي في الدول العربية، ولكن ومع مزيد من الدهشة والعجب، كان الواقع مختلفاً تماماً، حيث أثارت القناة القطرية غضب الإدارة الأمريكية أكثر من مرة، وتولد غضب الولايات المتحدة الأمريكية علي قناة الجزيرة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، في نيويورك وواشنطن والعمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق، حيث ساد انطباع في واشنطن بأن القناة تقود خطاً لإفساد جهود الحرب علي الإرهاب، ويتم استخدامها كأداة لنشر الدعاية التي تمس بالمصالح الأمريكية. وبرزت هذه الادعاءات بصفة خاصة أثناء حرب الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين التي بدأت في 2003، لأن الجزيرة سمحت لأن تكون منصة لعناصر منظمات سرية في العراق طالبوا بتكثيف الجهود لتهدئة الأجواء من أجل استقرار نظام الحكم الجديد في الدولة، وبلغ الغضب الأمريكي ذروته عندما عرضت القناة صوراً لجنود أمريكيين وبريطانيين قتلي وآخرين وقعوا في الأسر بالعراق، الأمر الذي اعتبرته واشنطن ماسا بجهود الحرب. من جانبها، دافعت الجزيرة عن نفسها بالقول إنه بعد ان طالب البنتاجون بإزالة الصور حتي يتم إبلاغ ذوي القتلي الخبر، وهو ما فعلته القناة بالفعل، وتوقفت عن عرض الصور لبضع ساعات، ولكن هذه التوضيحات وتبريرات القائمين علي القناة بأنهم لم يفعلوا أكثر من أداء واجبهم الصحفي لم تجد آذاناً صاغية لدي الإدارة الأمريكية التي أصرت علي أن القناة تحرض العالم العربي ضد الولايات المتحدة.

أمريكا تنتقد

في أعقاب ذلك ورغم العلاقات الوطيدة التي أشرنا إليها بين الولايات المتحدة وقطر، أثناء الحرب، وتمركز القيادة العسكرية الأمريكية في القاعدة التي تقع بالقرب من مقر قناة الجزيرة في الدوحة، قرر البنتاجون منع أنشطة القناة في العراق، كما خرج مسئولون في إدارة الرئيس بوش، يوجهون انتقادات قاسية ضد الجزيرة، وكان أشد هذه الانتقادات قسوة، ما ورد علي لسان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد الذي اتهم القناة القطرية في إبريل 2004 بأنها تبث الأكاذيب، وتعمل بالتنسيق مع الإرهاب، بينما أجري وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مقابلة وصفت بأنها عاصفة وصادقة- بكلمات اعتبرت غاضبة بالمفهوم الدبلوماسي- مع وزير الخارجية القطري، ادعي خلالها باول ان تقارير الجزيرة تضر بالعلاقات القائمة بين الدولتين، وبلغت نبرة الولايات المتحدة ذروتها تجاه قطر، عندما لم تدعو واشنطن قطر في شهر يونية من العام نفسه ضمن مجموعة الدول العربية إلي مؤتمر الدول الثمانية الصناعية، والتي كان هدفها المعلن هاو مناقشة الإصلاحات في الدول العربية، وبرزت عدم الدعوة بشكل خاص لأن قطر من الدول الأساسية التي تقود مسيرة التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في دول الخليج العربي، وزادت دهشة قطر لأن قناة الجزيرة التي تلقت انتقادات أمريكية يعتبرها القطريون واحدة من أكثر المبادرات التي تستهدف دفع مسيرة الليبرالية والتحرر في مجال تداول المعلومات. بعد عدة سنوات قليلة من إطلاقها حصدت الجزيرة بعضا من ثمار مسيرتها وأصبحت علامة من علامات الثورة الإعلامية التي بدأت في الدول العربية، ولكن علي خلفية الواقع السائد في الشرق الأوسط المتوتر، وجدت القناة نفسها بين المطرقة والسندان، فمن ناحية باتت تحت ضغوط كثيفة ومتواصلة من أنظمة الحكم العربية التي تعتقد ان القناة تساعد عناصر المعارضة المتطرفة مع اتهامها أيضا بأنها «عميل للغرب» يهدد استقرار هذه الدول، ومن ناحية أخري يري الكثير من مسئولي الإدارة الأمريكية- خاصة المنتمون إلي التيار اليميني- ان الجزيرة محطة تليفزيونية معادية للولايات المتحدة الأمريكية وتتحدث باسم الإسلام المتطرف وتمس جهود الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي. عندما سئل القائمون علي قناة الجزيرة عن رؤيتهم للهجوم الذي تتعرض له القناة من كل الاتجاهات من جانب أجهزة الحكم العربية والإدارة الأمريكية علي حد سواء، كانت إجابتهم ان ذلك أكبر دليل علي ان القناة تسير في الطريق الصحيح، ويقولون إن ذلك نتيجة حتمية لا يمكن منعها من محاولة الحفاظ علي خط مهني حر ومفتوح الذي يمنح حرية التعبير لكل وجهات النظر المختلفة، ويمتنع عن فرض أي نوع من أنواع الرقابة، ويقولون: إنه من الطبيعي ان يكون هناك من يتضرر من التغطية الإخبارية المتزنة التي تمس الواقع غير الجيد، أو مكانة هذا أو ذاك خلال البرامج التي تبثها القناة. وتعتمد هذه التوضيحات علي أنه في السنوات القليلة التي مضت علي انطلاق القناة، نجحت الجزيرة في ان تحظي بمصداقية عالية في تقاريرها الإخبارية في الدول العربية، الأمر الذي يعد إجابة جزئية علي النقد الكثيف الذي تلقته القناة منذ إقامتها، ومع ذلك علينا ان نضع في الاعتبار ان القناة هي نتاج مبادرة خاصة للقيادة القطرية التي لم يتم انتخابها بأسلوب ديمقراطي وأنها اختارت خطاً سياسياً استثنائياً وكانت النتيجة ان هذه الخطوات أدت إلي إثارة توترات لا تتوقف في مواجهة عدد من الدول العربية بسبب خطوات قطر الاستثنائية بدفع التيار الليبرالي والإصلاح الداخلي، أو بسبب علاقات الدوحة مع الولايات الأمريكية وإسرائيل. كما أن هذه الخطوات نفسها أدت إلي إثارة توترات مع الولايات المتحدة بسبب العلاقات الوطيدة التي أقامتها الدوحة مع المنظمات الإسلامية الراديكالية، وبناء علي ذلك وفي ضوء المد الإعلامي الذي منحته الجزيرة لقطر، لم يكن هناك فحص متعمق للأسباب التي جعلت القناة دائماً أداة لإثارة الخلافات العاصفة مع الدول الأخري داخل المنطقة وخارجها. ويتطلب هذا الفحص التعامل مع أسئلة أساسية تتعلق بأنشطة القناة، وعلي رأسها: هل الثورة الإعلامية التي بدأت بفضل الجزيرة تمثل الحبل السري لاجراءات أوسع تبشر بمزيد من التحول الديمقراطي في العالم العربي؟ أم أن القناة تستغل المناخ الذي كان قائماً في مجال الإعلام والمعرفة في الدول العربية والإسلامية، كي تصبح بوقا دعائياً لمواقف وآراء متجذرة منذ قديم الزمان؟ وبصفة خاصة: هل تبنت القناة معايير متقدمة من الصحافة الموضوعية، أم عناصر متطرفة استغلت برامجها لأغراض دعائية وتحريضية؟ علي ما يبدو لسنا في حاجة إلي أدلة تثبت صحة الاحتمال الثاني، ويتضح الأمر علي سبيل المثال من بث الجزيرة لبرنامج «الشريعة والحياة» أسبوعيا، للشيخ يوسف القرضاوي، الذي يحظي بشعبية كبيرة، ويستخدم الشيخ القرضاوي هذا البرنامج من أجل الترويج لفتاوي تنتهج خطا متشدداً
ومحرضا ضد الغرب في أنحاء العالمين العربي والإسلامي ومن ذلك علي سبيل المثال أثناء حرب العراق عام 2004 أعلن الشيخ القرضاوي فتوي تقضي بأن من يلقون حتفهم علي يد الجنود الأمريكيين هم شهداء، بل وشجع المسلمين علي احتلال أوروبا- ليس بوسائل عسكرية طبعاً- من خلال نظرية تقول إن العالم كله ملك لله، وينبغي العمل علي هداية البشرية إلي الإسلام، وبالطبع لم تسلم إسرائيل من انتقادات القرضاوي، الذي دعا في أحاديثه للقناة إلي الجهاد ضد إسرائيل وشجع الفلسطينيين كثيراً علي تنفيذ عمليات انتحارية، بل انه أفتي بامكانية مشاركة النساء في هذه العمليات مستدلاً علي ذلك بمشاركة النساء في الحروب في عهد النبي محمد صلي الله عليه وسلم.

شريط بن لادن

وفيما يخص القول بإن الجزيرة تبث دعاية متطرفة وخطيرة، يمكن ان نجد ما يؤيده في الحقيقة التي تقول بأن القناة اختارت ان تبث خلال السنوات الأخيرة شرائط لزعيم القاعدة، أسامة بن لادن ونجح الأخير من خلالها في توصيل كلامه إلي ملايين البيوت في كل المنطقة، وكان هناك نموذج بارز بعد أسابيع من وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001، عندما انفردت الجزيرة ببث شريط يعترف فيه بن لادن بمسئولية القاعدة عن التفجيرات، ويضاف إلي ذلك انه في السنوات التالية، في أعقاب إسقاط نظام حكم طالبان في أفغانستان علي يد الولايات المتحدة، وهروب قادة القاعدة إلي مخابئ سرية ظلت شرائط بن لادن والمقربين منه تجد طريقها إلي القناة التي كانت تبثه دون أي تدخل- حتي تلك التي تضمنت دعوات واضحة إلي تنفيذ عمليات تفجيرية ضد الأمريكيين وحلفائهم وفي نهاية أكتوبر 2004، عشية انتخابات الرئاسة الأمريكية، بثت الجزيرة شريطا توجه فيه أسامة بن لادن بالحديث مباشرة إلي الشعب الأمريكي هاجم خلاله السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهدد بتنفيذ العديد من العمليات مثل تلك التي نفذتها منظمته قبل ثلاث سنوات من ذلك. في أعقاب هذه الشرائط التي تم بثها برغم الضغوط الكثيفة التي مارستها الإدارة الأمريكية علي قطر لمنعها، كان هناك من اتهموا القناة الفضائية القطرية بأنها «المتحدث باسم القاعدة» واتهموها بنشر الرسائل المتطرفة للمنظمة، والمساعدة في التحريض علي الإرهاب، ولم تكن مثل هذه الاتهامات الموجهة للجزيرة صادرة فقط عن الأمريكيين، وانما كانت تصدر عن مسئولين في دول أخري ادعوا أن سياسة القناة ببث هذا الكم من الرسائل التي تصلها مباشرة من منظمات إرهابية تساعد علي تحقيق أهداف هذه المنظمات في بث الخوف والذعر بين السكان والتحريض علي أعمال العنف علي سبيل المثال في أعقاب اختطاف مئات الرهائن علي يد الإرهابيين الشيشانيين في مسرح بموسكو، في أكتوبر 2002 وجهت الحكومة الروسية انتقادات قاسية لقناة الجزيرة قالت خلالها: إن القناة في تغطيتها للحدث تحولت في الواقع إلي متحدث باسم المجموعة الوهابية المتطرفة الشيشانية، التي تلقت بذلك مساعدة، باستخدام التكنولوجيا الغربية المتقدمة للترويج لدعايتها، واستمر سماع مثل هذه الاتهامات في السنوات التالية أيضاً، والتي قامت خلالها القناة ببث تسجيلات وصلتها من مجموعات إرهابية، ظهر فيها رهائن من دول مختلفة في جميع أنحاء العالم وهم يتحسرون علي أنفسهم أو يتم إعدامهم بطريقة وحشية علي يد الإرهابيين، كل هذه الأمور زادت من عدد المقتنعين في العالم الغربي بأن الجزيرة وسيلة لترويج الإيديولوجية الإسلامية الراديكالية. وبالطبع يرفض القائمون علي قناة الجزيرة كل هذه الاتهامات تماماً، ويصرون علي ان بث هذه المحتويات المثيرة للجدل، مثل شرائط أسامة بن لادن، لا يتم بثها بدوافع أيديولوجية، بل لأنها ببساطة تتضمن محتوي إخبارياً، وهو أمر يمثل جزءاً من سياسة القناة التي تقضي بإتاحة حرية التعبير لمختلف وجهات النظر، وقد سمعت مثل هذا الرد علي لسان مذيع القناة فيصل القاسم الذي دافع عن بث شرائط بن لادن علي قناة الجزيرة قائلا: إن الأمر يتسق مع الواجب الصحفي للقناة، وقال القاسم: «إننا أثناء التغطيات نكون في حالة حرب» وبنفس الروح تحدث القاسم عن تطور الجزيرة والتزامها ببث كل المعلومات والأخبار لمشاهديها، مقارنة مع انغلاق محطات التليفزيون الأخري «التي ترتبط بشكل رئيسي بأنظمة الحكم ولا تستطيع بث أي خبر حقيقي عما يحدث علي أراضيها للجمهور». وتبين كلمات فيصل القاسم بشكل واضح طريقة تفكير هيئة التحرير القائمة في قناة الجزيرة التي تسعي القناة بموجبها إلي لعب دور لغرس قيم جديدة تتعلق بحرية وانفتاح التقارير الإخبارية في المنطقة، وبموجب وجهة النظر هذه يعبر بث البرامج الإشكالية عن نوع من الليبرالية الإعلامية الجديدة التي تسعي الجزيرة لتقديمها في الشرق الأوسط، والتي تعمل علي دفع القيم الديمقراطية وحرية التعبير المنتشرة في الدول الغربية نفسها وحتي إذا كان الأمر متعلقاً بالتعامل مع عناصر متطرفة كانت حتي ذلك الوقت ممنوعة من الظهور علي شاشات التليفزيون في العالم العربي فإن ذلك يبدو كثمن ينبغي دفعه للتعبير عن مختلف الآراء ووجهات النظر الموجودة في الساحة ويمكن العثور علي تأكيد لذلك في شعار القناة القطرية: «الجزيرة.. الرأي والرأي الآخر». ومع ذلك فإن هذا الكلام يبين عمق سوء التفاهم القائم بين مسئولي قناة الجزيرة ومنتقديهم فبالنسبة للقائمين علي القناة، فإن فيصل القاسم علي سبيل المثال عندما استضاف في برنامجه «الاتجاه المعاكس» ممثل حركة حماس في طهران أبو محمد مصطفي، في مواجهة ممثل السلطة الفلسطينية، حسن عصفور وتبادل الاثنان الاتهامات والسباب يعتبر ذلك مساهمة في خلق تليفزيون ليبرالي مثير للاهتمام ويتميز بالانفتاح ويعرض للمشاهدين صورة أكثر كمالاً عما يحدث في المجتمع الفلسطيني عن اختلاف الآراء الداخلية فيها، في المقابل وعلي الجانب الآخر يبدو الأمر بمثابة إتاحة منصة دولية للمتحدث باسم حماس، تحت رعاية الجزيرة التي تحظي بجماهيرية واسعة، الأمر الذي يساعد علي وصول الدعاية المتطرفة لحركة حماس إلي أكبر عدد ممكن من الجماهير.

أداة للتغيير

ويتضح من هذه الصورة ان هناك ثغرات كبيرة في صورة القناة، فمن ناحية تبدو الجزيرة أداة للتغيير تساعد في تغلغل القيم الغربية إلي الإعلام العربي، ومن ناحية المقابلة تبدو القناة كأداة دعائية للإسلام المتطرف، ولكن قد يبدو ان هذا الالتباس في صورة الجزيرة نابعاً من وجهة نظر غربية خارجية، يأتي في مركزها ان الجزيرة قناة عربية تعبر عن السياسة والثقافة والدين والحياة الاجتماعية في الشرق الأوسط، كما يتضح أيضاً من تشكيل الفريق العامل بالمحطة في مختلف وظائف التحرير والإنتاج التي تتكون في معظمها من فلسطينيين ومصريين وأردنيين ولبنانيين، وفي ضوء ذلك يصعب الاندهاش من ان القناة تعرض أولا وقبل أي شيء الرؤية العربية والإسلامية في القضايا المركزية التي تتطرق إليها- خاصة فيما يتعلق بالملف العراقي والقضية الفلسطينية أو المشاكل الداخلية التي تشغل الدول العربية، وهي بذلك لا تختلف عن بقية وسائل الإعلام العربية، ولا يمكن أيضاً تجاهل الاختلاف الجوهري الذي قدمته الجزيرة عند مقارنتها بوسائل الإعلام التي كانت موجودة في الدول العربية قبل إطلاق القناة، وهي التغييرات التي ينبغي النظر إليها علي خلفية البيئة التي تعمل فيها. ويبرز الأمر في أسلوب التغطية التي تمنحها الجزيرة لإسرائيل وعلاقتها مع الفلسطينيين والعالم العربي، علي الجانب الإيجابي لا يمكن تجاهل مساهمة القناة الفضائية القطرية في زيادة الوعي الجمعي الإعلامي العربي عندما دعت ضيوفا إسرائيليين إلي برامجها، ولكن علي الجانب الآخر كان واضحاً تماماً ان الخط التحريري للجزيرة فيما يتعلق بإسرائيل يشبه تماماً ذلك الخط السائد لدي بقية وسائل الإعلام العربية وبصفة خاصة بدت إسرائيل في برامج القناة من نفس الجانب السائد في بقية العالم العربي الذي يعرضها كمجتمع معاد للفلسطينيين ولكل جيرانها، وكان هناك مثال لذلك في برنامج باسم «سري للغاية» تم بثه في 6 فبراير 2007، وعرض إلي جانب صور المقاهي في تل أبيب، صورا للحواجز في الأراضي الفلسطينية كما تم عرض مقاطع من مقابلات أجراها المذيع يسري فودة مع المطرب «الإسرائيلي» أفيف جيفين، الذي قال إن ما يبعث علي الضحك ان اليهود خبراء في التكنولوجيا بينما العرب خبراء في الحمص والقهوة، بالإضافة إلي لقاء مع عضو الكنيست آنذاك عزمي بشارة، الذي أكد أن المشكلة ليست عدم وجود رغبة لدي إسرائيل للتفاوض وإنما عدم رغبة إسرائيل في دفع ثمن السلام، وكممثل لإسرائيل في قطر، شعرت بهذه النبرة جيدا في تقارير القناة عن العلاقات بين إسرائيل وقطر، وعن أنشطة مكتب تمثيل المصالح الإسرائيلية في الدوحة، والتي تشبه تماماً تلك التقارير التي تبثها محطات التليفزيون العربية الأخري التي تؤكد علي التحفظ من تطبيع العلاقات مع إسرائيل وأدركت من ذلك انه علي الرغم من امتناع الجزيرة من توجيه النقد لقطر، وجد محررو القناة حرية مطلقة في توجيه انتقادات مباشرة علي السياسة المعلنة للحكومة القطرية بشأن العلاقات بين إسرائيل والإمارة الخليجية، علي الرغم من ان الحكومة القطرية هي التي أطلقت القناة. وبرز هذا الخط التحريري للجزيرة في مضمون التقارير التي تم بثها في شرائط الأخبار عن المواجهات العنيفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في فترة الانتفاضة الثانية، وقام مراسل القناة في السلطة الفلسطينية وإسرائيل وليد العمري- الحاصل علي الماجستير في الصحافة والإعلام من جامعة تل أبيب- ببث سيل من التقارير، عبرت بشكل مطلق عن وجهة النظر العربية والفلسطينية، من حيث اختيار الصور والتعليقات المصاحبة لها، وكنتيجة للحساسية المفرطة التي أثارتها قناة الجزيرة في تقاريرها خلال تلك الفترة، كان هناك من رأي فيها أحد العناصر- المسئولة عن تسخين الأجواء المعادية لإسرائيل في مناطق السلطة الفلسطينية- التي يشاهد بث القناة فيها ثلاثة من كل أربعة فلسطينيين- وكان هناك نموذج بارز للتغطية التي استخدمتها القناة لدعم الموقف الفلسطيني في الصراع ضد إسرائيل، يتمثل في بث متكرر لصور تبادل النيران بين جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ومسلحين فلسطينيين في غزة، والذي وقع في بداية الانتفاضة التي مات فيها الطفل محمد الدرة «12 عاماً» في أحضان أبيه الذي كان يحاول الدفاع عنه في مواجهة الرصاص المتطاير، وكان استخدام هذا المشهد ككليب متكرر في الفواصل الرابطة بين برامج قناة الجزيرة، عاملاً مساعداً بصورة واضحة علي تحويل محمد الدرة إلي شهيد ورمز للنضال الفلسطيني ضد إسرائيل، بل الأكثر من ذلك ان الشعبية الواسعة التي تحظي بها الجزيرة في أنحاء المنطقة جعلت هذا الحدث كلحظة عصيبة من المواجهة مع إسرائيل في الوعي العربي العام.

ترجمة: محمد البحيري

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.

نشرت بجريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية بتاريخ 5 ابريل 2011 في صفحة “افكار ودراسات”

http://www.alkaheranews.com/details.php?pId=4&aId=2099

http://www.masress.com/alkahera/2099

 

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: