الزراعة بالسودان.. وفرة وخصوبة المساحات وبالمقابل تشديد وتعقيد الإجراءات
الزراعة بالسودان.. وفرة وخصوبة المساحات وبالمقابل تشديد وتعقيد الإجراءات
تركي فيصل الرشيد
السعودية مؤهلة وبصورة كبيرة لإيجاد شراكة سياسية اقتصادية ينتج عنها تكامل في تحقيق الأمن الغذائي، وأفضل شريك هو السودان الذي هو بالإجماع سلة غذاء العالم العربي. إلا أن قبول فكرة الاستثمار بالسودان يعاني من فتور، شديد ولم تنجح جهود حكومة السودان في التغلب على الفتور والذي حضر منكم اللقاءات المتعددة بالغرفة التجارية بالرياض مع كبار مسؤولي رجال الدولة السودانيين لا بد أنه لمس ذلك.
وفي ظل الوضع العالمي الحالي المزري الذي أصبح فيه رغيف الخبز عرضة للتقلبات الاقتصادية والمساومات السياسية كان حرياً بالدول العربية الزراعية وأولها السودان أن تكون أول من استجلب التقنيات الزراعية الحديثة وبحث أفضل الطرق والأساليب المشجعة للاستثمار الزراعي والارتقاء بالحوافز من كونها كلمات دبلوماسية إلى جعلها وقائع ملموسة حقيقية.
و لم لا؟ فالسودان يتميز بوجود الأراضي الصالحة للزراعة(أكثر من 200 مليون فدان) والمستغل حالياً قد لا يتعدى 20% من هذه المساحة. وتتوفر مياه الري (مياه الأنهار والنيل وروافده ومياه الأمطار والمياه الجوفية). ويتميز السودان بتنوع المناخ (من 30 إلى 48 درجة مئوية) صحراء-مناخ البحر الأبيض المتوسط- السافانا - الاستوائي. وبذلك فهناك تنوع في الغطاء النباتي وتوفر الظروف المناخية للنمو الطبيعي لغطاء نباتي متعدد ويسمح أيضاً بزراعة أنواع مختلفة من المحاصيل الزراعية (الحقلية والبستانية).
وتوفر المراعي الطبيعية يعني توفر الثروة الحيوانية وكذلك سقوط الأمطار يسمح بوجود غطاء شجري(غابات وأحراش). وهي مهددة بالتصحر والتلاشي. وبالرغم من توفر البيئة الصالحة لزراعة مختلف المحاصيل إلا أن الاعتماد على الزراعة اليدوية وتعثر المشاريع الزراعية الحكومية والأهلية خلقا سلبيات كثيرة منها:
* ضعف العناية بالمحصول وبالعمليات الزراعية من تحضير الأرض والتسميد.
* عدم استخدام الرشاشات المحورية واستغلال المياه الجوفية بحيث يمكن ري المحصول في حالة شح الأمطار أو تذبذبها.
* عدم استخدام الميكنة الكاملة في الزراعة والتسميد ورش المبيدات والحصاد والتقشير والنظافة والتدريج والتعبئة.
* عدم وجود خطة لتحسين البذور وعدم إدخال أصناف محسنة.
* عدم التقيد بمواعيد الزراعة.
كما أن هناك مشاكل متأصلة لم تجد الحكومات السودانية المتعاقبة حلولاً جذرية لها.
* الشاهد الآن أن هناك تدويلاً لمشاكل السودان الداخلية مما يعزز فكرة عدم استقرار السودان ويجعله سبباً كافياً لنفور المستثمرين.
* ليس بالسودان سياسة تملك واضحة حيث إن النظام هناك يعتمد الحكر أي حق الانتفاع لعدد معين من السنوات وبالتالي ليست هناك ميزة لجذب المشاريع العملاقة طالما انتفت ملكية الأرض إضافة لعنصر عدم الاستقرار السابق ذكره.
* المناطق الزراعية متاخمة لمناطق استخراج البترول ولا يستبعد أن تكتشف الحكومة فجأة أن الأرض الزراعية الممنوحة للمستثمر تقع فوق بئر بترول فتنزعها منه لتعوضه بمنطقة أخرى وتضيع على المستثمر جهده ووقته وماله.
* السودان بلد العشوائيات والسكان منتشرون بالمناطق التي تنوي الحكومة منحها للمستثمرين ويتم تحميل المستثمر تعويضات لإعادة توطين السكان المقيمين بجوار الأرض التي تمت ترسيتها على المستثمر.
* كما تلزم المستثمر بتوفير المياه لهؤلاء السكان عبر الآبار التي سيقوم المستثمر بحفرها لخدمة مشروعه الزراعي.
* عدم توفر البنية التحتية بالمناطق المقترحة للاستثمار مما يزيد من تكاليف المستثمر في مجالات النقل والطاقة.
* تفرض الحكومة على المستثمر رسوماً إدارية لا حصر لها خاصة بالولاية وأخرى بالحكومة المركزية مما يجعل المستثمر مشتت الذهن ولا يعرف مع من يتعامل.
والخلاصة
* السودان بحاجة إلى شركات عملاقة للاستغلال الأمثل للأرض الزراعية فالأراضي الصالحة للزراعة(أكثر من 200 مليون فدان) والمستغل حالياً قد لا يتعدى 20% من هذه المساحة.
* كان في السابق يتم تصدير الفول السوداني بكميات كبيرة وقد يكون السودان قد خرج من أسواق التصدير للأسباب التي تقدم ذكرها.
* هناك فجوة غذائية وحاجة ماسة لمحصول القمح وهو محصول استراتيجي يستورد السودان ما مقداره مليونا طن قمح سنوياً. ذلك العوز لا يستقيم مع وفرة 160 مليون فدان صالحة للزراعة وغير مستغلة.
* الضمور الذي يصيب الأرض البكر نتيجة هجرها لا يمكن تعويضه. فالبكر العانس العجوز فقدت خصوبتها وأهميتها.
* التمادي في التشدد يتيح الفرص لظهور البدائل ومتى ما انجذب المستثمر لبديل ما أصبح من الصعب استعادته.
* يجب عدم إهمال فوائد الاستثمار الزراعي العملاق على التوزيع الديموغرافي للسكان.. وأثره في خفض القلاقل المتصاعدة بالسودان. فإشغال الناس بأكل عيشها وتوفير العيش الكريم لها يشغلها عن الانجذاب إلى دعوات التطرف المغرضة.
* عائدات المشاريع الزراعية العملاقة زيادة لإيرادات الدولة.. خفض لنفقات كانت تذهب مقابل الاستيراد الزراعي.. توفير غذاء صحي آمن ودائم.. حفظ لكرامة الدولة ومواطنيها.. وحماية للدولة من التدخلات الأجنبية والضغوط الاقتصادية.
أليس بعد ذلك كله أصبح لزاماً على المسؤولين السودانيين من كبار مشرعي نظام الاستثمار الزراعي في بلدهم ضرورة إعادة النظر في تلك السياسات مستبعدين سلبياتها ومضيفين على إيجابياتها ميزات مرغوبة ومشجعة للمستثمر الوطني والخارجي. ولن تصبح الإضافة ميزة إلا إذا كانت وفق رغبات وتطلعات المستثمرين وإلا فإنها ستكون لدى صائغها ميزة لا يجد فيمن تلقاها إلا إضافة غير مجدية وأنها تحصيل حاصل وجودها كعدمها ويبقى الحال كما هو عليه.. بكر تدركها العنوسة والهرم.. وأموال تضعف قواها الشرائية وتتصيدها البدائل ويتولاها الإنفاق ببذخ. وهنا وهناك أفواه تصرخ وتتساءل حتى رغيف الخبز نستورده؟
* كاتب سعودي




اترك رد