header image
 

سياسة الادارة الامريكية القادمة في الشرق الاوسط يحددها مركزا ابحاث احدهما اسسه اسرائيلي

“عربي – اسرائيلي” يتولى ملف الصراع العربي الاسرائيلي فيها
سياسة الادارة الامريكية القادمة في الشرق الاوسط يحددها مركزا ابحاث احدهما اسسه اسرائيلي

تعيين الباحثين في مناصب رسمية تحول الى ظاهرة بارزة
اكثر من 1200 مركز ابحاث تغطي مختلف المجالات في امريكا
التاثير يتم عبر نشر الكتب والمقالات والمؤتمرات وتقديم الاستشارات
قرر مفكرو المحافظين الجدد سياسة التقدم الديمقراطي فتبناها بوش فورا وغزا العراق!
في عام 1975 نشر معهد بروكينجز خطة لتسوية بين العرب واسرائيل تبناها كارتر ومنع السادات اكتمالها!

القاهرة: محمد البحيري

تستحق تجربة مراكز الابحاث في الولايات المتحدة الامريكية مزيدا من الاهتمام من حيث تاثيرها على الانتخابات الامريكية وصناعة القرار في واشنطن. ورغم ما قد يرى فيه البعض من عيوب او شوائب على مجمل العملية السياسية، بما قد يحصرها في خندق المؤمرات، إلا انني اتمنى في الواقع ان يكون لمراكز الابحاث في مصر مثل ذلك التأثير بكل ابعاده وآثاره.
ولان الامر كبير سوف نركز على ما يعنينا بصورة مباشرة وهو كيف ستبدو السياسة الامريكية في الشرق الاوسط خلال فترة ما بعد بوش.
ورغم ما تمثله آراء المرشحين للرئاسة الامريكية من دور كبير في ذلك، الا ان ثمة فاعل لا يمكن تجاهله ابدا، وهو مراكز الابحاث الامريكية، والتي يطلق علها اسم “ثينك تانكس”.
ورغم كثرة هذه المراكز الا ان اثنين منها على درجة كبيرة من الاهمية اعلنا عن عزمهما وضع دراسة لتحديد الاستراتيجية الامريكية الجديدة في منطقة الشرق الاوسط. هذان المركزان هما مجلس العلاقات الخارجية ومعهد سابان لدراسات الشرق الاوسط.
واعلن الاثنان ان الوثيقة التي ستتضمن الاستراتيجية الامريكية سوف تتبلور على يد فريق بحثي ينتمي للمركزين، يضم خبراء في الشرق الاوسط والعلاقات الدولية، وان هذا الفريق سيزور المنطقة لجمع المعلومات ومقابلة مسئولين بحكومات المنطقة الى جانب مقابلة شخصيات امريكية كالسفراء وما الى ذلك.
واعلن المركزان انهما سيعلنان وثيقتهما هذه بحلول نوفمبر من عام 2009، على ان تتحرر من الانتماءات الحزبية، وتكون تحت تصرف الرئيس الامريكي الجديد الذي سيبدأ فترته الجديدة في بداية العام 2009، بغض النظر عن كونه ديمقراطيا او جمهوريا.

مصانع الافكار
رغم ان الترجمة الحرفية لـ”ثينك تانكس” هي “صهاريج او مخازن التفكير”، إلا أن الترجمة الدقيقة الفعلية هي “مصانع التفكير”، لان افكار السياسة الامريكية تصنع في هذه المراكز.
ورغم انتشار ظاهرة المراكز البحثية المتخصصة في السياسة الخارجية في كل انحاء العالم خلال السنوات الاخيرة، إلا أنها تحظى بمكانة خاصة في الولايات المتحدة. وبوسعك ان توعز الامر الى احترام الامريكيين للعلم، او ايمانهم بإعطاء “العيش لخبازه”، او حرصهم على إحالة الامر الى اهله دونما أي حرج. قل ما شئت وقارنه بما يحدث في عالمنا العربي.
بدأت مراكز البحث عملها في الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين. وتأسس مجلس العلاقات الخارجية في 1921، بينما تأسس معهد بروكينجز في 1927. وكانت هذه المراكز بمثابة جامعات بلا طلاب، ركزت انشطتها على اعلى مستوى من البحث الاكاديمي. كان على رأس اهدافها توفير المعلومات للراي العام ولصانعي القرار، ولكن حرصها على الحرية الاكاديمية دفعتها للابقاء على مسافة ما من بعدها عن الادارة والنظام الحاكم.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تحول الولايات المتحدة الى قوة عظمى عالمية، تزايدت الحاجة الى الخبرة والاستشارات في مجالات السياسة والامن والخارجية. فساهمت مراكز البحث في بلورة السياسة الامريكية بعد عام 1945. وكان احد ابرز هذه المراكز هو معهد راند الذي أسس عام 1946 كمركز تطوير للمشاريع والبحوث (العلمية والسياسية والعسكرية) التابعة للقوات الجوية في وزارة الدفاع الامريكية، ويوجد مقره في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا. ويعتبر المعهد برأي المتتبعين بمثابة مؤسسة استخباراتية مستقلة تعمل بصورة مدنية كخط خلفي للقيادات السياسية والعسكرية الأمريكية في الداخل والخارج. ومجالاته الرئيسية هي: الشؤون الدولية ، الأمن القومي ، السلامة العامة ، الارهاب والأمن الداخلي . واثر معهد راند كثيرا على الاستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق – رحمه الله.
في الستينات والسبعينات من القرن العشرين تأسست مراكز ابحاث لها اجندة معلنة، مثل معهد كاتو، ومركز هاريتاج، فلم تعمل بالمجال البحثي وحسب، بل اعلنت عن طموحها في التاثير على صانعي القرار والدفع باتجاه سياسة معينة، عن طريق تسويق وطرح الافكار والابحاث التي تنتجها على الادارة الامريكية. واذا اردنا ان ندرك اهمية الامر، يكفي فقط الاشارة الى ان عدد المراكز البحثية الموجودة الان في الولايات المتحدة تزيد على 1200 مركزا!
اما هدفها فهو تنمية وتطوير الافكار. وهي في الواقع تشكل جسرا او دمجا بين البحث لاكاديمي في الجامعات والهيئات البحثية الحكومية في اطار وزارتي الخارجية والدفاع الامريكيتين، فتهتم بالقضايا الصعبة الكثيرة عبر معالجتها بدراسات مستقبلية او تخطيط بعيد المدى.
طرق التاثير
هناك عدة طرق ووسائل يمكن لمراكز البحث التأثير من خلالها على صانعي القرار. منها على سبيل المثال طباعة كتب ومقالات الباحثين. وبحسب ستروب تالبوت، رئيس معهد بروكينجز – المعروف بقربه من الحزب الديمقراطي – وصل المعهد الى نتيجة مفادها ان صانعي السياسات لا وقت لديهم لقراءة الكتب والمقالات الطويلة، لذا بدا المعهد في نشر وثائق بحثية وسياسية محكمة. ويقوم باحثو المعهد باجراء مقابلات مع وسائل الاعلام وينشرون مقالاتهم في الصحف لترويج افكارهم وكسبها قدرة اكبر للتاثير على الراي العام.
ويمكن لمراكز الابحاث ايضا التاثير على صانعي القرار عبر عقد الاجتماعات والمؤتمرات التي يشارك فيها واضعو السياسات ومسئولي الادارة الامريكية. وبذلك تتوفر فرصة لطرح افكار الخبراء امام صناع القرار ومناقشتهم فيها.
وتضم الوسائل المتاحة لمراكز الابحاث ايضا مثول باحثي المراكز التي تقدم استشاراتها بشكل غير رسمي لصناع القرار امام مجلسي النواب والشيوخ الامريكيين.
اضف الى ذلك ان تعيين باحثين في مناصب رسمية تحول الى ظاهرة بارزة، بما دفع بالباحثين الى صفوف الادارة والمناصب التنفيذية، فتحولوا من مقترحي سياسات الى منفذي سياسات.
وينبغي الانتباه الى ان شكل وطبيعة النظام السياسي الامريكي يدعم قدرة مراكز البحث على التأثير في سياسات الدولة. ففي دولة كبريطانيا او فرنسا هناك نظام مهني يسمح بتواجد المسئولين لسنوات طويلة بما يضمن الاستمرارية. على عكس الولايات المتحدة التي يختلف نظامها تماما، فمع كل تغيير في الحكم بين الديمقراطيين والجمهوريين، يتغير الاف الموظفين في المستويات العليا والمتوسطة. وتسيطر على المشهد السياسي هناك نظرية “الباب الدوار” او الكراسي الموسيقية بين مراكز البحث والادارات الامريكية. فالخبراء المقربين من الديمقراطيين يشغلون مناصب في وزارات الخارجية والدفاع ومجلس الامن القومي. وعندما تولى الحكم رئيس جمهوري، يغادر الديمقراطيون بخبرائهم مختلف مناصبهم الحكومية ليشغلوا مناصبهم في مراكز البحث. ومع عودة الحكم للديمقراطيين يعودون هم ايضا لشغل مناصبهم الرئيسية في الادارة الامريكية.
ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية ، الذي شغل مناصب رفيعة خلال فترات حكم بوش الاب وبوش الابن، اشار الى ان التأثير الكبير الموجود لمراكز الابحاث على السياسة الامريكية، يبدو اقل بروزا وشهرة من تاثير جماعات اصحاب المصالح واللوبي الذين يميلون الى التفاخر بقدرتهم على التأثير على الادارة الامريكية.
بحسب هاس، في فترات معينة كما حدث في اعقاب الحرب العالمية الثانية، وبعد احداث 11 سبتمبر، وكذلك خلال سباق الانتخابات الرئاسية وتغيير الحكم، تكون هناك فرص طيبة لمراكز الابحاث من اجل التاثير على صناع القرار عبر اعادة توجيه سياسة الدولة وطرح افكار جديدة.
اجندة الشرق الاوسط
يمكن الاشارة الى عدد من الاحداث البارزة التي كان لمراكز البحث فيها تأثير على سياسات الادارات الامريكية في الشرق الاوسط.
في عام 1975 نشر معهد بروكينجز خطة لتسوية سلمية عربية اسرائيلية. وقررت الخطة للمرة الاولى ضرورة منح استقلال ذاتي او انشاء كيان فلسطيني في فيدرالية مع الاردن كجزء من اتفاق سلام شامل الدول العربية واسرائيل. كما دعت الخطة الى الانسحاب من الاراضي المحتلة عام 1967، وان يتم اشراك الامم المتحدة والاتحاد السوفيتي في المفاوضات. وقوبلت الخطة برد سلبي من اسرائيل بدعوى انها حددت نتائج التسوية قبل بدء المفاوضات بين جميع الاطراف.
في عام 1976 تحول عدد من مؤلفي وثيقة بروكينجز الى موظفين مركزيين في ادارة كارتر الجديدة. فقد تم تعيين زبيجنيف بجازينسكي مستشارا للامن القومي. وتم تعيين سايروس فانس وزيرا للخارجية الامريكية. وتبنى الرئيس جيمي كارتر تلك الوثيقة، حتى انه اطلع رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك اسحاق رابين على توصيات بروكينجز كخطوط لسياسة الادارة الامريكية في عهده. وبدأ التخطيط لمؤتمر جنيف وفقا لتوصيات بروكينجز. وتقول مصادر اسرائيلية ان مبادرة السادات ورغبته في الاسراع باستعادة سيناء المحتلة، دفعته الى السير في مفاوضات ثنائية مع اسرائيل، والا يكون مجرد لاعب عربي في مفاوضات متعددة الاطراف، وهو ما منع ادارة كارتر – بحسب المصادر الاسرائيلية – من الضغط على اسرائيل للانخراط في مسيرة سياسية وفقا لخطة بروكينجز.
في اعقاب احداث 11 سبتمبر، وجد جورج بوش الابن نفسه مطالبا بالعمل في الشرق الاوسط. فوجد امامه مجموعة من مفكري “المحافظين الجدد” في ادارته، ولم يكونوا تابعين لمركز ابحاث معين، ولكنهم كانوا مقربين من مراكز الابحاث المحافظة مثل ” PNAC” او ما يعرف “بمشروع القرن الامريكي الجديد”. هؤلاء المحافظين الجدد اقترحوا على بوش اجندة لتحقيق التقدم الديمقراطي في الشرق الاوسط. وهي ذات الاجندة التي استخدمها الامريكيون كاساس فكري ونظري – او بمعنى ادق كغطاء – لغزو العراق عام 2003.
ويقول باحث اسرائيلي يدعى “اودي جولان”: “بعيدا عن المبالغة، انتهى الامر باتخاذ بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه السابق دونالد رامسفيلد لهذه القرارات التي اوصى بها المحافظون الجدد، والتي كان لها دور كبير في صياغة السياسة الامريكية في الخارج عموما والشرق الاوسط خصوصا. ومؤخرا كان لمعهد المشروع الامريكي لابحاث السياسات العامة “AEI” تاثير على تبني سياسة زيادة القوات في العراق.
منذ احداث 11 سبتمبر تحرك الشرق الاوسط ليصبح مركز السياسة الخارجية الامريكية. وركزت مراكز الابحاث جهودها على قضايا الارخاب وعلاقات الولايات المتحدة مع العالم الاسلامي والشرق الاوسط، وجميعها كانت في السابق قضايا هامشية مقابل الاتحاد السوفيتي السابق واوروبا والصين.
ويأتي البحث المشترك الذي اعلن عنه مجلس العلاقات الخارجية ومعهد سابان كشهادة اضافية على اهمية الشرق الاوسط في السياسة الخارجية الامريكية. ولن يكون بوسعنا تخمين التوصيات التي سيخرج بها هذا البحث قبل ان يبدأ ولكن يمكن الاستدلال على طبيعة التوصيات المنتظرة من خلال الاطلاع على خلفيات الطرفين القائمين بالبحث.
على سبيل المثال من قام بتأسيس مركز سابان عام 2002 في اطار معهد بروكينجز هو المليونير الاسرائيلي السابق حاييم سابان! وينظم المركز لقاء سنويا لبحث قضايا الحوار الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة!.
اما مجلس العلاقات الخارجية فهو هيئة غير حزبية مكونة من كبار مسئولي الادارة الامريكية السابقين، وباحثين، ورجال اعمال.
وبسبب تركيبه هذا (دبلوماسيين ورجال اعمال) يميل مجلس العلاقات الخارجية دوما الى الحوار والحلول الدبلوماسية. وفي عام 2006 التقى اعضاء مجلس العلاقات الخارجية مع الرئيس الايراني احمدي نجاد للتعرف على مواقفه، رغم احتجاجات اسرائيل والجالية اليهودية.
الخطاب من عنوانه
من سيقود فريق البحث الخاص باستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الاوسط في عهد ما بعد بوش، هو مارتن انديك رئيس مركز سابان، الذي كان في السابق السفير الامريكي في اسرائيل، ومساعدا لوزير الخارجية الامريكية لشئون الشرق الاوسط. وهناك ايضا جاري سامور نائب رئيس مجلس العلاقات الخارجية.
وسوف يتناول البحث عددا من القضايا اهمها: الاستراتيجية العامة، الصراع العربي الاسرائيلي، ايران، العراق، التنمية الاقتصادية والسياسية، ومنع انتشار ومكافحة الارهاب.
وسوف يتولى ملف الصراع العربي الاسرائيلي البروفيسور شبلي تلحمي، وهو عربي اسرائيلي هاجر الى الولايات المتحدة، وهو متخصص في السياسة الامريكية بالشرق الاوسط. الى جانب ستيفن كوك الباحث بمجلس العلاقات الخارجية.
من ذلك كله يمكن القول بان مراكز الابحاث تحولت في الاونة الاخيرة الى جزء لا يتجزأ من عملية صياغة السياسة الامريكية. والاستراتيجية التي سيقررها هذا الفريق البحثي، الى جانب الابحاث والافكار التي سيطرحها غيرها من مراكز الابحاث، سوف تكون هي استراتيجية الادارة الامريكية القادمة، وسوف تؤثر بالضرورة على سياستها في الشرق الاوسط.
لا شك ان الاسرائيليين بدأوا من الان تعقب هذا البحث والعمل على معرفة اتجاهاته والتفكير في كيفية توجيهه نحو ما يحقق مصالحهم. فهل تحرك العرب؟ ام انهم يفضلون الانتظار لمعرفة النتائج بطريقة شرعية ورسمية؟!

نشرت بجريدة الراية القطرية في ابريل 2008

~ بواسطة kelma على مايو 9, 2008.

اترك رد