تستهدف بناء الثقة مع اسرائيل تحت اشراف قوة دولية
مفاوضات بين حماس واسرائيل في القاهرة وتل ابيب واوروبا
هدنة لخمس سنوات تنتهي بحل نهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي
اقامة الدولة الفلسطينية على الاراضي المحتلة عام 67 وعاصمتها القدس مع التمسك بحق العودة
التعهد بعدم التعرض للاسرائيليين اينما كانوا
موافقة مصرية على فتح معبر رفح مقابل وقف بناء الانفاق
نجاح المفاوضات انتصار لحماس وتدعيم لمكانتها على حساب ابو مازن
الاسرائيليون يتحدثون عن فراغ ما بعد ابو مازن والفلسطينيون يتحدثون عن فراغ ما بعد اولمرت!
محمد البحيري
لا زالت جهود الوساطة المصرية قائمة بين حركة حماس واسرائيل من اجل التوصل الى هدنة، بتشجيع من وزيرة الخارجية الامريكية، وغموض موقف الرئيس الامريكي نفسه. بحسب عدد من المراقبين تأتي الرغبة في التوصل الى هدنة كمصلحة مشتركة وواضحة لحركة حماس وايهود اولمرت وكوندليزا رايس.
تستهدف حماس تحقيق هدفين: الاعتراف بحكمها في غزة، وتوطيد اركانه. اما اسرائيل فليست معنية بشن عملية عسكرية برية واسعة في غزة، يمثل قمة التصعيد بالنسبة لها في حالة استمرار اطلاق الصواريخ على المستوطنات. وذلك رغم ان مسئولا اسرائيليا سبق ان قال ان شن هجوم بري على غزة يتطلب ان يسبقه مقتل 50 طفلا اسرائيليا في دار حضانة من جراء صاروخ تطلقه حماس! أو سقوط 100 قتيل اسرائيلي في عملية فدائية كبيرة! وهو امر ليس بالسهل حدوثه بطبيعة الحال. كما انه يعطي اشارة لحجم الخسائر التي تبدو اسرائيل قادرة على تحملها، فسقوط 20 او 30 او حتى 40 قتيلا اسرائيليا يبدو امرا متحملا!
كما انه يلفت النظر ايضا الى امكانية ان يعمد احد المتطرفين المتدينين اليهود الى اجراء مذبحة عبر نسف دار حضانة بها اطفال اسرائيليون “علمانيون”، حتى تلصق التهمة بحماس ويتوفر المبرر اللازم لتنفيذ مذبحة برية علنية في غزة! مع الانتباه ايضا الى ان قادة حماس ليسوا بالغباء الذي يعميهم عن خطورة استهداف دار للحضانة او مدرسة اطفال!اما كوندليزا رايس فتريد الوصول الى اتفاق بين الفلسطينيين والاسرائيليين بأي ثمن.
هدنة على الارض
على ارض الواقع هناك هدنة بين الجانبين في اعقاب المباحثات التي اجراها الوزير عمر سليمان في مصر مع ممثلي حركتي حماس والجهاد من جانب، وعاموس جلعاد ممثلا لاسرائيل من جانب اخر.ويجري الحديث عن موافقة حماس على ان يكون رجال ابو مازن عند معبر رفح بشرط ان يتولى رجال حماس ادارته فعليا من خلف الستار، مع ازالة كاميرات المراقبة الاسرائيلية من هناك.لكن حماس تصر على ان تقوم هي باختيار رجال ابو مازن الذين سيتم تثبيتهم عند المعبر، بحيث يكونوا جميعا من رام الله، والا يبيت طاقم المراقبين الاوروبيين في فلسطين وانما يبيتون في العريش. وتقول مصادر عبرية ان اسرائيل على وشك الموافقة على هذين الشرطين، بما يعني انه لن يكون هناك أي اشراف اسرائيلي على المعبر. وليس واضحا كيف سيقوم مشرفو الامم المتحدة باحاطة اسرائيل بما يحدث على المعبر.على الجانب الاخر هناك خلاف قاسي بين حماس ومصر. فبينما تريد حماس ان يكون معبر رفح هو المعبر الوحيد او الرئيسي لقطاع غزة، تريد مصر تقليل النشاط على هذا المعبر الى الحد الادنى عندما تكون المعابر الرئيسية هي تلك التي بين القطاع والضفة، بما يجدد الارتباط بين شقي الاراضي الفلسطينية.لكن الاسرائيليوي منقسمون فيما بينهم حول الاقتراح المصري، فاغلب القيادات العسكرية الاسرائيلية تؤيد تحويل معبر رفح ليكون البوابة الرئيسية لغزة، بينما تفضل جهات بالحكومة الاسرائيلية استئناف الربط بين غزة والضفة.مؤيدو الهدنة في اسرائيل يقولون ان على اسرائيل الانتظار لسنتين حتى تعيد تنظيم صفوفها لجولة اخرى مع حماس. يضاف الى ذلك زيادة خيبة الامل الاسرائيلية من ابو مازن، حتى في الاوساط المحيط بايهود اولمرت، وبعد فحص ورثة الرئيس الفلسطيني مثل محمد دحلان ومروان البرغوثي. وفي الوسط الفلسطيني يتزايد الشعور بان اسرائيل في عهد ما بعد اولمرت سوف تكون ساحة خالية، وبالتالي من الافضل اعادة ترتيب الصفوف امام حماس من الان كشريك سياسي.
القمة العربية
في فترة الاختبار القائمة الان، يقول الاسرائيليون ان القمة العربية التي ستنعقد في دمشق نهاية الشهر الحالي تهدد بنسف هذه الهدنة، بدعوى ان سوريا وايران حريصتان على ان تتصدر القضية الفلسطينية اجندة القمة على حساب الملف اللبناني الذي يقال انه يحظى باهمية اكبر من سواه هذه المرة خوفا من تفجر الاوضاع هناك. ولذلك يتوقع الاسرائيليون ان تقوم عناصر تابعة لسوريا وايران بنسف الهدنة لاعادة القضية الفلسطينية الى صدارة العناوين مرة اخرى!
شاليط
على فرض ثبات الهدنة بين حماس واسرائيل، قرر الاسرائيليون تأجيل ملف الجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شاليط الى مرحلة متأخرة جدا، حتى يكون اطلاق سراحه في اطار تسوية شاملة. ويقال ان لحماس مشكلة مع الاسرى الذين ترغب في اطلاق سراحهم وترفض اسرائيل ذلك بسبب اعتراضات اجهزة الامن الاسرائيلية.بعض ممن تضمنتهم قائمة الاسرى هم اقارب اسرة قادة حماس، ولن يكون بوسع احد التنازل عن رجل يخصه. واذا لم تستجب اسرائيل لكامل قائمة حماس، سوف يلحق الضرر بمكانة بعض من قادة حماس، بما قد يدخل الحركة في حالة صراع داخلي!ويرى البعض ان حماس تنتقل من نصر الى نصر، فقد حظيت باعتراف بحكمها من اسرائيل والولايات المتحدة. واذا تحقق اتفاق الهدنة سوف يكون قائما على مكانة ونظام حكم حماس في غزة بما يمثل اعترافا مطلقا بها. وفي المقابل يلحق بمكانة ابو مازن مزيد من الضعف. ولذلك يحاول إظهار اتفاق الهدنة في غزة على انه جزء من واجبات الفلسطينيين في المرحلة الاولى من خارطة الطريق، حتى يجبر اسرائيل على اداء دورها هي الاخرى كي تنتقل الى المرحلة الثانية من خارطة الطريق.
اتفاق سري
لا زالت اسرائيل تنفي وجود أي تفاهمات سرية مع حركة حماس لاقرار التهدئة في القطاع. لكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس اعلن على سبيل المثال وجود مفاوضات سياسية وامنية بين حماس واسرائيل في تل ابيب. وكان ابو مازن يقصد احراج الجانبين – حماس واسرائيل – طبعا في ظل انكارهما المعلن للمفاوضات بل ورفضهما “المعلن” ايضا لتفاوض مع الاخر! والسبب طبعا هو ان مثل هذه المفاوضات تضر بمكانة ابو مازن وتنال منه.كما ان مصادر اعلامية نقلت عن مصادر فلسطينية تفاصيل ورقة قيل ان احمد يوسف – مستشار اسماعيل هنية رئيس حكومة حماس في غزة – سلمها للاتحاد الاوروبي. وتضم الورقة عددا من المراحل، تبدأ بالهدنة، وتنتهي بانهاء الصراع العربي الاسرائيلي. ومن بين البنود التي تضمنتها ورقة حماس من التزام متبادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين ما يلي: اولا انسحاب اسرائيل من الضفة الى خط مؤقت متفق عليه. ثانيا: اعلان الهدنة لخمس سنوات، على ان تحترمها كل الفصائل الفلسطينية، ولن ينفذ الفلسطينيون خلالها اية عمليات فدائية في العمق الاسرائيلي او بحق اسرائيليين اينما كانوا. ثالثا: تتوقف اجهزة الامن الاسرائيلية عن استهداف الفلسطينيين في كل انحاء العالم. رابعا: لا تتخذ اسرائيل اية اجراءات احادية الجانب في المناطق التي احتلتها في يونيو 1967، ويندرج تحت ذلك عدم بناء مستوطنات او شق طرق جديدة. خامسا: ازالة الحواجز وتحرير جميع الاسرى الفلسطينيين. سادسا: يتاح للفلسطينيين من غزة والضفة حرية الدخول الى القدس الشرقية وحرية الحركة في كل انحاء الضفة او التنقل منها واليها باتجاه غزة، او بين جميع المناطق الفلسطينية وسائر انحاء العالم. سابعا: تسمح اسرائيل باعادة بناء مطارات في غزة وقلنديا، مع انشاء ميناء بحري في غزة. واخيرا يعد أي خرق لهذه الشروط يمثل انتهاكا للهدنة.وتهدف الوثيقة الى استغلال فترة الهدنة لخمس سنوات في بناء الثقة بين الجانبين من اجل اقامة دولتين جارتين، والتوصل الى سلام شامل، يحظى بمباركة العالم الاسلامي كله. وتضمنت الوثيقة بناء الدولة الفلسطينية على الاراضي المحتلة عام 1967 على ان تكون عاصمتها القدس، مع احترام حق العودة.وتنص الورقة على ان دور المجتمع الدولي سيتركز في الحفاظ على الهدنة، والعمل على زيادة الثقة بين الجانبين، وتنفيذ الاتفاقات السابقة المبرمة بين الجانبين. لذلك سوف تقام قوة متعددة الجنسيات تابعة للجنة الرباعية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة) تكون مهمتها الاشراف على تنفيذ بنود الهدنة وتوفير ضمانات امنية وتسوية الخلافات، وتقديم تقارير متوالية الى مجلس الامن عن مدى احترام الجانبين لاتفاق الهدنة.وهو امر اذا صدق يعني الكثير من التحول في مواقف حماس، بما قد يعتبره البعض مرونة تعبر عن احتراف للعبة السياسة، وما قد يعتبره الاخرون تنازلات حمساوية مبكرة نتجت عن الضغوط العربية والاسرائيلية على حد سواء.
اتفاق ثلاثي
على الجانب الاخر يجري الحديث عن اتفاق ثلاثي بين مصر وحماس واسرائيل، يتضمن موافقة وضمانة مصرية لحماس على فتح معبر رفح “وفقا لاحتياجات قطاع غزة” او لمدة بضع ساعات على الاقل كل يوم. وفي مقابل هذا لعرض المصري تعهدت حماس بامرين:اولا: طالما ظل الاتفاق مستمرا، وظل معبر رفح مفتوحا، لن تتعرض حماس للسور الحدودي الجديد الذي تبنيه مصر الان على طول محور صلاح الدين (13 كم).ثانيا: تمتنع حماس عن حفر انفاق جديدة لتهريب السلاح. ولكن في المقابل، لا تلتزم حماس بالتوقف عن استخدام الانفاق القائمة حاليا.ولهذا السبب فان المنسق السياسي لوزارة الدفاع الاسرائيلية العميد احتياط عاموس جلعاد، اثناء وجوده في القاهرة الاسبوع الماضي قال للوزير عمر سليمان ان اسرائيل تحتفظ لنفسها بحرية العمل ضد حماس اذا استمرت في اطلاق الصواريخ او استمرت في هريب الاسلالحة عبر الانفاق.ويقول عدد من قادة الجيش الاسرائيلي ان هذا الاتفاق يمثل مشكلة محيرة من الناحية الامنية. فبينما يبدو واضحا ان حماس لن تطلق الصواريخ على المستوطنات فلا يكون هناك سبب لرد اسرائيل او هجومها على حماس. تظل المشكلة قائمة في استمرار تهريب الاسلحة عبر الانفاق. لان اسرائيل تفتقد الى المعلومات المناسبة عن ذلك في التوقيتات المناسبة. فهي تعلم احيانا بعد اكتمال التهريب – بحسب مصادر اسرائيلية. ويقول ضباط اسرائيليون ان بنود الاتفاق المبرم تتيح لمصر وحماس انكار اية معلومات قد تدعي اسرائيل الحصول عليها بشان اية تهريبات، وقد يستغرق الانقاش حول معلومة واحدة اسابيع طويلة!
خلاصة القول ان المنطقة تعج بالمفاوضات السرية والعلنية، المباشرة وغير المباشرة، الثنائية والمتعددة. ولو كان بوسع طرف ان يسحق الاخر لما تردد هذا الطرف ابدا! لكن كل طرف يدرك استحالة ذلك، خاصة مع وقوع عملية القدس التي اصابت رمزا هاما في ساحة الاستيطان والتطرف اليهودي، فقتلت واصابت. اضف الى ذلك اعلان الاسرائيليين ان لدى حماس اسلحة اكثر تطورا لم تستخدمها بعد، ودللت على ذلك باصابة مروحية اسرائيلية قبل ايام، مما اثار قلقا اسرائيليا. فلم يخرج الجميع كل ما لديه بعد.
* نشرت بجريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية بتاريخ 18 مارس 2008


