Posted by: kelma | ديسمبر 16, 2007

Dream girl!

2b.jpg

محمد البحيري

كانت اروع لحظة عبقرية بالنسبة لي، عندما أشعل سيجارة وامسكها بشفتاي فقط، وانا واضع كلتا يداي في جيوب معطفي، وألف رقبتي بكوفية ثقيلة بلوني الأحمر القاني المفضل.. بينما اقف على رصيف محطة القطار في مدينة ميونيخ الالمانية.. في الحقيقة لم تكن محطة ميونيخ، وانما كانت محطة قطارات الجيزة.. ولكني رأيتها على هذه الصورة فعلا.. كنت اسحب نفسا من سيجارتي فيختلط الدخان بالبخار الخارج من فمي في هذا الشتاء القارس، فلا اعلم ايهما الدخان، وايهما البخار. كان يهيأ لي ان السيجارة قد تحسنت عافيتها، وأنها اكتسبت وظيفة وهمية على وظائفها الوهمية كذلك.. فهي تحسن الحالة المزاجية، وتهدئ الصداع، وتنفث الغضب، وزاد عليها كوسيلة للتدفئة، فضلا عن كونها انيسا يصحبك في اي مكان وفي اي زمان، لا ييشكو من سهر، ولا ليل او نهار، او وحشة او ازدحام.. اينما تصحبها ترافقك راضية قابلة، لا تمل من وصلات الغرام المتصل.
كنت استمتع بمشاعر الترقب والانتظار باحثا عن ظهور قطار قادم من أقصى جنوب الصعيد، حاملا فتاة احلامي من اقصى الشمال الأوروبي.. كان الموعد الذي اخطرتني به هو السابعة صباحا، لكني لم امنع نفسي من التواجد على رصيف القطار في الساعة الخامسة فجرا!
لا اعلم لماذا كان يخامرني شعور بأنها قد تصل مبكرا، وتفوتني رؤيتها. احد العساكر الموجودين اندهش من شدة قلقي وتثبيت نظري على القضبان الواقعة على مرمى بصري، باحثا عن اي قطار، فسألني: يا استاذ اي قطار تنتظر؟.. فقلت: انه قطار أسوان!.. فقال: لا زال الوقت مبكرا، امامك ساعتان.. استرح حتى يعين الموعد فسوف تتعب مبكرا!
لم اشعر طوال ذلك بصديقي الذي يرافقني، لا اعلم لماذا طلبت منه أن يرافقني؟!.. اعتقد اني اردت اصطحاب شاهد يؤكد لي وللآخرين أن ما سأراه بعد قليل هو حقيقة فعلا وليس محض خيال.. أردت من يعينني على العودة إلى الأمر الواقع من حولي. ربما ذلك فعلا.. ولكن ايا يكن الأمر، لم أكن اشعر بوجوده في الحقيقة.. وكان يبدو هو الآخر وكأنه مشارك في عرض ممل لاضاعة الوقت ليس أكثر، كان يبدو كمن وافق على مشاركة زميل له مسرحية فاشلة لا يشاهدها احد غيرهما!
عرض علي أن نذهب لتناول طعام الافطار، حتى يحين موعد القطار المنتظر. نظرت إليه في صمت، بعينين مثبتتين، كان بوسع من يراني وقتها أن يقول أني افكر في اقتراح صديقي، لكن لم يكن الامر كذلك، ولكنني فقط تذكرت الهدف الاساسي الذي احضرته معي من اجله، وهو ربطني بالحياة الواقعية من حولي. رأيت فيه صوت العقل بالنسبة لي، لأن عقلي وقتها كان خارج نطاق الخدمة، لم يكن متاحا في ذلك الوقت، وكان علي أن أحاول في وقت آخر!..
وافقته على الذهاب لتناول الطعام، في مطعم متواضع إلى جانب محطة القطارات.. في الحقيقة لم يكن متواضعا قبل ذلك؟، لكنه بدا لي هكذا ساعتها.. كنت اتناول طعامي، وكان قلبي يزداد خفقانا بمرور الدقائق، حتى وجدت نفسي اترك صديقي واغادر في عجلة غريبة من امري.. رغم أن الوقت بحساب الساعات والمواقيت والمواعيد لا يزال مبكرا.. لكني ذهبت، بل لا ابالغ حين اقول اني كنت اهرول.. اما السبب فكان مجهولا في تلك اللحظة!.. لكنه بعد دقيقة واحدة لم يعد كذلك، لاني صعدت إلى رصيف المحطة لأجده يموج بركاب قطار وصل لتوه، وعندما سألت كاد الدم أن يتجمد في عروقي عندما اخبروني انه قطار اسوان، وأنه قد وصل مبكرا بالفعل عن موعده بساعة الا ربع كاملة! قبل موعده؟ وكيف يحدث هذا رغم ان القطارات في بلادنا معروفة بوصولها بعد مواعيدها؟!.. ألا يكفي ان شعرت بذلك قبل حدوثه؟!.. لعله يكفي.
جربت شعور التيه وفقدان الطريق مرتين، الأولى حينما كنت في مكة المكرمة وأنا طفل صغير في التاسعة من عمري، برفقة والدي في قافلة للحج، حيث كنت نائما في الحافلة، عندما اوقظوني وطلبوا مني النزول للتوجه إلى الخيام.. نزلت ساعتها وسرت وانا نائم، حتى استيقظت فجأة وفتحت عيناي من شدة وهيج الشمس، لاكتشف اني في مكان بعيد تماما عن موقع خيامنا، فقد انحرفت اسرتي وقافلتنا يسارا، بينما حافظت انا على السير قدما إلى الأمام دون ان يكتشف امري أحد!
على رصيف محطة القطار في الجيزة كان شعوري الثاني بالتيه، كنت كمن يبحث عن ابرة في كوم من القش، تاه من انتظره، وزاد الزحام الذي بدا يثير غضبي وانا انقل عيني بين الوجوه باحثا عن وجه سأراه للمرة الاولى وجها لوجه، معتمدا في ذلك على مشاعري واحاسيسي، خائفا كل الخوف من خداع الصور، وصدمة الحقيقة.
غادرت الرصيف كمن يسرع بحصار هارب من الميدان، هرولت إلى الحافلات التي تقف وتستعد للانطلاق حاملة المسافرين الى فنادقهم. كنت اتنقل بعيني فقط بين الحافلات، بشكل لا يبدو منطقيا على الاطلاق، وكأني كنت احمل جهازا للاستشعار عن بعد، فاكتفي بالقاء نظرة من بعيد على هذه الباص أو ذاك، ثم اتركه، رغم ان الواقع العملي يقول بان من المحتمل جدا ان يكون من ابحث عنه في هذا الباص. ولكن لا تفسير، فقد حصل المنطق على اجازة مسببة اكتفى بكتابة كلمتين فيها: طغيان القلب!
مرت دقائق على هذا النحو وقد فحصت عشرات الحافلات، حتى وقفت في مواجهة حافلة متوسطة الحجم، وتسمرت قدماي في الأرض، ودونما منطق ايضا، وجدت قلبي يخفق بشدة، وبدأت افقد توازني وعلاقتي بالارض التي اقف عليها، وشعرت باختفاء الارض من تحتي، حتى اصبحت طائرا احلق بأجنحة باتجاه الحافلة، دونما ان ارى شيئا. ما هي الا لحظات حتى شعرت بحركة غريبة تدب بين ركاب الحافلة، واذا بهم جميعا يركزون انظارهم وايديهم على فتاة اعطتني ظهرها كانت تجلس الى جوار النافذة، كانوا يلفتون نظرها الى قدومي، وكانت اصابعهم وعيونهم تشير باتجاهي، كانت سعادتهم أكثر مما كنت أتخيل، بل كان سبب سعادتهم بالنسبة لي لغزا!
مرت كل تلك اللحظات ولم المح وجهها بعد، حتى التفتت فجاة بوجهها تجاهي، فإذا بصاعقة تضربني بشدة كان مصدرها عيناها، فقدت معها كل شعور بأني على ارض الانسان، واكتملت حالة الانصهار حين نزلت من الحافلة لتهرول باتجاهي، وأشعر أن الدنيا والسعادة والامنيات كلها تركض مقبلة نحوي، وكأن صندوق الأمنيات قد فتح على مصراعيه لعطل اصاب قفله، فتحققت كل أماني البشر دفعة واحدة، فاصبحت حائرا فيم اركز فرحتي ومشاعري بالسعادة؟!.. لحظات قصيرة للناس، كانت بمثابة ساعات طوال مليئة بالنشوة بالنسبة لي، التقت بعدها أحضاننا دون اية كلمات! كنت اخشى ان افلتها من احضاني فيتبين لي ان الامر مجرد حلم او خيال نابع من رغبة! كما ان بقائها في حضني كان دليلا على انها آدمية وانها حقيقة واقعة فعلا!
لم اشعر ابدا بأن كل مرتادي المحطة من مصريين وأجانب ورجال شرطة قد التفوا حولنا من شدة التهاب هذا المشهد الرومانسي الأخاذ. لم يجرؤ أي منهم على أن يعكر علينا صفو تلك اللحظات الرائعة. رفعت عينيها إلى عيناي، فاحتضنتا بعضهما البعض، وانتقلت عدوى الالتهاب إلى شفاهنا، هكذا دون مقدمات، وهكذا دون أن يقطع خلوتنا العاطفية أحد ممن يحيطون بنا! قلت لها فرحا والسعادة تنطق في كل ملامحي: ها أنت يا نيكولا!.. أخيرا؟! أنا لا أصدق أنك بين يداي!.. أما هي فقالت: أنا أصدق، لأني كنت مؤمنة من كل قلبي بأن سأراك يا موهامد!
كان الصف الأول من المحيطين بنا هم ركاب الحافلة التي كانت تستقلها، كان جميعهم من الألمان، قلة من الرجال ممتلئي الجسم، وكثير من النساء النحيفات ذوات الانف المعقوف والعيون السعيدة، كانت كل منهما تتصرف وتظهر سعادة وكأني زوج ابنتها المنتظر. كان سائق الحافلة مصريا، وكذلك المرشد السياحي الذي يرافق هذا الفوج الالماني. بادرني السائق سعيدا بابن بلده الذي يحظى بهذه الشعبية في بلد “الفرنجة” فقال: أهلا أهلا يا استاذ محمد.
- وهل تعرفني؟
• أجل لقد علمت اسمك منهم، فقد كانوا جميعا بانتظارك. وطلبوا مني عدم المغادرة حتى تصل.
- اشكرك بشدة.

بعد ذلك بدأ رجال الشرطة من بينهم رجل برتبة “عميد” يخترق الدوائر البشرية المحيطة بنا، حتى وصل إلينا ليقول لي: من أنت؟!
- أنا محمد البحيري.
• وماذا يعني ذلك؟ ما علاقتك بهؤلاء السياح؟!
- وماذا ترى أنت؟ إنها خطيبتي وقد أتت لنتزوج!
فغر العميد فاه، وبدا غير مصدق فتوجه الى “نيكولا” ليسألها: هل تعرفينه؟!.. عندئذ انطلق طوفان من الاحتجاج الالماني المحيط بنا: انه خطيبها.. انه عشيقها.. نعم انه صديقنا.. ماذا تريد أنت؟!
ازداد انزعاج “العميد”، وربما ازداد حرجا، فتجاهل رد الفعل الالماني وعاد الى المصري ليسأل السائق: من يكون هذا الشاب؟ فاخبره السائق والمرشد بأن كل اعضاء الفوج من ركاب الحافلة طلبوا منه الانتظار حتى اصل انا، بما يعني اني شخص مهم لهم.
عندئذ اعتدلت لهجة “العميد” في الحديث معي، ليخبرني بأن انتبه جيدا إلى الامور، طالبا مني ألا اتضايق باسئلته هذه، لاننني اعلم – على حد قوله – طبيعة الاجواء المتوترة الآن من حيث الخوف من العمليات الارهابية. فطمأنته بأني لم اتضايق، واني اقدر خوفه وحرصه على سلامة هؤلاء السياح.. أحبابنا!
كان ذلك في مطلع التسعينات من القرن العشرين، حيث كنت في السنة الجامعية الأولى بكلية الآداب.
بعد ذلك يتدخل المرشد السياحي السعيد ايضا بما شاهده لتوه، ليسألني في أدب جم: هل سترافقنا يا استاذ محمد؟
- إلى اين ستتجهون؟
• إلى الفندق.
- واين يقع؟
• انه فندق هليوبارك، بميدان الحجاز في مصر الجديدة.
- حسنا سوف ألحق بكم، فلدي سيارة!
• حسنا، سنكون بانتظارك.
- اشكرك.
• إلى اللقاء.

لا اعلم لماذا قلت للمرشد السياحي ان معي سيارة خاصة؟! ولا أعلم لماذا لم اركب الحافلة معهم. ربما لشعوري وقتها اني فقدت توازني، واني بحاجة الى وقت خاص استعيد فيه توازني ونفسي.
اوقفنا سيارة اجرة – تاكسي – انا وصديقي وطلبنا منه التوجه الى عنوان الفندق المذكور، فذهب، وهناك دخلت الى موظفي الاستقبال لاخبرهم:
- نيكولا اونجر.. من فضلك!
• ومن تكون؟
- أبلغها فقط أن محمد البحيري ينتظرها في صالة الاستقبال بالفندق.
• حسنا سأفعل.
بعد دقيقتين كان اثر كلماتها مع موظف الاستقبال واضحا تماما، فقد جاءني شخص مبتسما ليسألني باحترام عما احب تناوله من عصائر! طلبت عصير البرتقال. وما هي دقائق حتى فوجئت بفتاة أخرى غير التي استقبلتها في محطة القطار، تنزل على سلم الفندق. كانت جميلة جدا، ورقيقة بشكل كبير. لم اصدق ان صاحبة هذا الجمال تخصني انا وحدي.


الردود

  1. جميلة احاسيسك الرقيقة.. تحية لغرامك الصافي

  2. مستني الجزء التاني ماتتاخرش علينا

  3. يا سلام يا بحيري لما تبدع وتحلق في سماء الوهم الجميل للواقع المضطرب. البحث دوما عن تفاصيل تفاصيل الماضي مسألة رائعة. اعادة تقييم للحظات هربت منذ وقت بعيد. وتغليف سحري لحال ربما كان وقتها مقرف الا انه اكتسب في الداخل حصانة من نوع خاص، لو حتى لو كان الم يتجلد تارة وينصهر تارة اخرى. الا ان استعادة هذا الماضي في نهاية المطاف تمر عبر اكتشافات سعيدة حتى لو كانت الذكرى مؤلمة. استمر يا عزيزي في البحث عن مكنوناتك الدفينة، علك يوما تستطيع التعبير عن نفسك. وما أصعب أن يعبر المرء عن نفسه. هذه الخربشة الذاتية هي من يصنع الابداع.


اترك رداً

ردك:

التصنيفات