Posted by: kelma | نوفمبر 26, 2007

محمد البحيري يبحث في مذكرات أخطر سفير اسرائيلي

مغلقة حتى اشعار آخر..

خزانة الوثائق العربية

بينما يستعد العرب لحزم حقائبهم ليشدوا الرحال إلى مؤتمر “أنابوليس”، بتعليمات مباشرة من وزيرة الخارجية الامريكية كوندليزا رايس، من اجل التفاوض على ما تم التفاوض عليه سابقا، بهدف تجميل وجه الولايات المتحدة أمام العالم، وانقاذ الحزب الجمهوري من براثن الفشل الذي يحيط به قبل فترة قصيرة من الانتخابات الرئاسية الامريكية. ومع مرور الذكرى الثلاثين لزيارة الرئيس انور السادات إلى القدس، وطرحه لمبادرة السلام، التي رفضها العرب آنذاك، ويقبلون اليوم بربع وربما بثمن ما كان معروضا عليهم آنذاك.. في هذا الظرف التاريخي الذي يشهد دفن القضية الفلسطينية، عبر شق الصفوف وزرع الفتن، وشراء البعض وتخويف البعض الآخر، وتصفية البعض الثالث، يكون من اللائق جدا أن نبحث في مراحل وملفات من تاريخنا العربي المعاصر، الذي يصر المسئولون والحكام على اصباغها بصفات “المجهول” و”الغامض” و”السري”، دون اية قواعد او قوانين تنظم هذه الصفات، وتحدد لها زمنا يحيلها الى التقاعد، ويكسبها صفات اخرى بديلة، هي “الصراحة” و”المكاشفة” و”الوضوح”! ولا يجوز اعتبار ذلك نوعا من الرفاهية، لانه في الحقيقة حق وواجب، حق لكافة الجماهير العربية ان تعرف كيف كانت تدار شئون اوطانهم في السر والعلن، ومدى امانة القائمين عليها؛ وواجب يترتب عليه إمعان النظر فيما مضى، للاستفادة منه فيما هو آت، عبر دراسة الظروف وبحث المتاح وربطه بالاوضاع المحيطة، فتتجسد القدرة على رؤية الصورة بشكل واضح، وتساعد على تحديد الخيارات الماثلة، التي يكون خيار السلام احدها، ولكنه ليس وحيدها بالطبع!فعندما يشيع الظلام من حولنا تتضاءل قدرتنا على تكذيب من يقول لنا ان الشمس الآن تتوسط كبد السماء رغم واقع الليل البهيم، وان اليد الممدودة إلينا تحمل غصن زيتون، لا خنجرا مسموما! لا يكون بوسعنا وقتها الا ان نتلمس طريقنا بصعوبة، خوفا من التعثر في ألغام وضعها، او آبار حفرها ذلك “الآخر” كي نستيقظ صباح يوم لنجد انفسنا في جب عميق!طالما بقي الامر على هذه الحال، يكون من الاهمية بمكان ان “نتسول” ذكرياتنا وماضينا، وأن نتلقف كل ما يصدر عن “الآخر” من كتابات تتناول مساحات الغموض والمجهول في تاريخنا، في ظل قدرة محدودة من جانبنا – فرضها علينا قادتنا ومسئولونا– على تفنيد ما يقع بين ايدينا مدموغا بأي خاتم غير عربي، خاصة اذا كان الخاتم حاملا لشعار نجمة دآود! لأن خزانة الوثائق العربية مغلقة وقد ألقوا بالمفتاح في أعماق المحيط.. محيط الفساد وحمايته!ومن هنا تأتي أهمية كتاب “بلا مائدة مستديرة”، الصادر حديثا في اسرائيل، بقلم “موشيه ساسون”، الذي يحمل عددا من الالقاب، من بينها “ثاني سفراء اسرائيل في مصر”، اطول سفراء اسرائيل اقامة بالقاهرة، “أخطر سفير اسرائيلي”، موسوعة الشئون العربية. وكان ساسون قد أصدر كتابا آخر حمل عنوان “سبع سنوات في بلاد المصريين” صدر في اسرائيل عام 1992. لكن كتابه الأخير مليئ بالمفاجآت والأسرار التي ينبغي معرفة بعضها، والرد على بعضها الآخر.من يكون؟!اقام موشيه ساسون في القاهرة منذ العام 1981 وحتى 1988، وقبل قيام الدولة العبرية كان مسئولا عن انشاء شبكة التجسس على العرب، وسبق له ايضا ان قضى ست سنوات سفيرا لاسرائيل في تركيا، فضلا عن عمله كسفير في ايطاليا، ورجل اتصال في الفاتيكان.وإذا كان ذلك كله ليس كافيا لادراك اهمية ساسون، فتكفي الاشارة إلى أنه يدين بكثير من الفضل لتعمقه في الشأن العربي الى والده “إلياهو ساسون”، الذي يعد من اعلام الدولة العبرية، فقد ولد في دمشق ايضا، وسجله حافل بالانشطة التي تتعلق بالعرب، ففي عام 1918 اصدر في دمشق جريدة “الحياة” العربية اليهودية والتي استهدفت تعزيز العلاقات بين اليهود والعرب. وعمل عاملا وكهربائيا ومن ثم صحافيا ومحاضرا  لشئون الشرق الأوسط. وبعد ذلك إنضم إلى الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، ثم اصبح رئيس الدائرة العربية في الوكالة اليهودية في السنوات ما بين 1948-1933.  زار الدول العربية مرات كثيرة واجتمع مع عدد من الزعماء العرب. وكان عضوا في الوفد الاسرائيلي إلى الأمم المتحدة في السنوات ما بين 1947 – 1948. شغل بعدها منصب مدير دائرة القسم الأوسط في وزارة الخارجية في السنوات ما بين  1950-1948. كان عضوا بالوفد الإسرائيلي إلى لوزان للتفاوض حول الهدنة في إطار “محادثات لوزان” عام 1949. وكان ايضا رئيس المكتب الخاص بوزارة الخارجية الاسرائيلية في باريس لإجراء الاتصالات مع العرب. وادار بنفسه محادثات مع الملك عبدالله ملك الأردن شهدت الكثير من الأحداث المثيرة. واصبح مندوب إسرائيل في تركيا ما بين 1950  - 1952، ثم سفيرا لإسرائيل في روما خلال الفترة التي تتراوح بين 1953 – 1960.بعد كل ذلك يمكن تخيل طبيعة الوثائق والمعلومات التي حصل عليها موشيه ساسون من والده بخلاف عمله وخبرته الشخصية كرجل عمل في وزارة الخارجية الاسرائيلية منذ تاسيسها! وبالتالي لا يكون غريبا ان يصفه “ابا ايبان” وزير الخارجية الاسرائيلي الاسبق بأنه “احد الاسرائيليين القلائل الذين خبروا بحياة العرب وثقافتهم على كافة المستويات! ..وان معرفته باللغة والثقافة العربية كانت معرفة طالب نبيه، مهدت له الاقتراب مباشرة من فكر وخواطر العرب في اي مكان”!. كثير من الأسراريدعي موشيه ساسون ان ثمة مؤلفات كثيرة صدرت عن حروب اسرائيل، ولكن القليل جدا صدر عن مساعيها لتمهيد الطريق امام تسويات سلمية مع جميع جيرانها، وان كتابه هذا “بدون مائدة مستديرة” يحاول معالجة هذا النقص. وهو قول يجعلنا غير متفائلين، او على الاقل اكثر حذرا في التعامل مع سطور ساسون، مع ضرورة الانتباه الى طبيعة التسويات السلمية والسلام الذي يتحدث عنه، فهو يختلف تماما عن المعنى او المغزى الذي يتبادر الى الذهن بمجرد نطق الكلمة، فالسلام الذي يقصده ساسون وكل قادته السابقين واللاحقين، يعني ببساطة “بقاء الوضع على ما وصل اليه”! اي استتباب الامر للاسرائيليين ايضا، وهو ما يذكرني الى حد بعيد بقول احد حاخاماتهم حين سئل عن السلام فقال: انه سلام القبور حين يتم قتل كل الفلسطينيين!وتكمن أهمية الكتاب في إدلاء المؤلف بشهادته حول تفاصيل ثمان جولات من المفاوضات بين العرب واسرائيل، شارك بنفسه في خمس منها، على مدى 47 عاما. لكن الأهم حقا أنه يلقي الضوء على الاسلوب الذي كان القادة العرب يتعاملون به مع الملف الفلسطيني، والكيان الصهيوني. من خلال تفاصيل اول مفاوضات سرية للتوصل الى معاهدة سلام منفردة وكاملة بين مصر واسرائيل في عهد الملك فاروق، والتي دارت بالفعل في خضم حرب 1948. وكيف ان الملك فاروق قرر منذ البداية عدم المشاركة في حرب فلسطين عام 1948، ولكن قبل بداية الحرب بثلاثة ايام في 15 مايو، غير الملك فاروق رأيه فجأة وقرر، خلافا لرأي كبار مستشاريه وحاشيته، ان ينضم الى الجيوش العربية لتحرير فلسطين. ماذا كانت دوافع الملك فاروق؟ ولماذا رفض بعد الحرب ان يسلم للفلسطينيين قطعة الارض الفلسطينية التي احتلها؟ رغم انه دخل الحرب وكما اعلن بنفسه لانقاذ فلسطين من اليهود واعادتها للفلسطينيين؟!يتضمن الكتاب ايضا كافة تفاصيل المفاوضات السرية التي جرت في بداية عام 1956، بعد صفقة السلاح المصرية التشيكية، بين رئيس حكومة اسرائيل ديفيد بن جوريون والرئيس المصري انذاك جمال عبد الناصر، عن طريق المبعوث الامريكي الخاص روبرت اندرسون، الذي جاء الى المنطقة بأمر من رئيس الولايات المتحدة الامريكية ايزنهاور، للتوسط بين القاهرة وتل ابيب. فما هي ظروف واسباب انهيار هذه المباحثات السرية الهامة جدا؟ وممن كان يخشى جمال عبد الناصر حينذاك على حياته؟ من الاخوان ام من مجلس قيادة الثورة؟ وهل يمكن استخلاص الدروس من انهيارها للاستفادة منها في ايامنا هذه؟!ويتضمن كذلك ملامح من علاقة الرئيس السادات باسرائيل، وصولا الى اغتياله في حادث المنصة الشهير، واضعين خطوطا حمراء تحت مشاركة السفير الاسرائيلي في عرض عسكري للاحتفال بالانتصار على بلاده، وكيف تصرف لحظة اطلاق النار على السادات، واين ذهب، وسر الاسلحة الاسرائيلية التي كانت موجودة خلال العرض؟!اجزاء اخرى من هذا الكتاب تتضمن كشفا للمرة الاولى عن الدور الاسرائيلي في سلسلة الانقلابات التي طالت سوريا، والتي ربما لا زالت تترك آثارها على دمشق حتى يومنا هذا!يتعرض الكتاب ايضا لما دار في اسرائيل عند اتخاذ رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحم بيجين قراره بشأن تدمير مستوطنة ايلات، ومبرراته التي شرحها لساسون شخصيا. يناقش الكتاب ايضا قرارين هامين وتاريخيين من وجهة نظر اسرائيل: الاول هو تصميم ديفيد بن جوريون على اعلان اقامة دولة اسرائيل، دون تحديد حدودها النهائية، حيث كان بن جوريون يرى ان العرب اذا لم يلتزموا بقرار التقسيم، لن يكون لزاما على اسرائيل الالتزام به ايضا! اما القرار الثاني من وجهة نظر ساسون فهو الاستجابة الايجابية والفورية التي ابداها مناحم بيجين لمبادرة السادات بالذهاب الى الكنيست والقدس، رغم تحفظات ومخاوف رئيس اركان الجيش الاسرائيلي انذاك “موتيه جور”. فيقول عنهما: “هذان القراران غيرا تاريخ المنطقة تماما”.وأخيرا يعرض الكتاب لملامح من علاقة الرئيس مبارك باسرائيل، في وقت حساس، حيث اغتيل السادات ولم تكن اسرائيل قد اكملت انسحابها من سيناء. كما يلقي الضوء على دبلوماسية التطمين التي بداها مبارك ولا زال متمسكا بها حتى يومنا هذا في علاقته مع اسرائيل، تحت شعار “من غير المسموح زعزعة الاستقرار القائم”، وهو ما يحلو البعض القول بأنه تعبير عن سياسة مبارك التي تقول: لدينا ما هو اهم من اسرائيل لنهتم به!”.mbquds@hotmail.com 


الردود

  1. ثانكس


اترك رداً

ردك:

التصنيفات