بعد 3 ايام فقط من حرب يونيو 1967 بدأ العمل
قصة اول وثيقة لاتفاق السلام بين الفلسطينيين واسرائيل قبل 40 عاما!الوثيقة تتضمن تجذيرا لافكار كلينتون ووثيقة “نسيبة – ايلون” وتفاهمات جنيف!
شحاتة طالب مفاوضيه الاسرائيليين باعلان الدولة الفلسطينية خلال اسبوع!
البداية بالتفاوض على حدود 1947 والنهاية بالاتفاق على حدود 1967!
فلسطين بلا جيش والقدس عاصمة اسرائيل وتعديل الحدود وفقا للاحتياجات الاسرائيلية!
أبا ايبان وبيريز توليا دفن الوثيقة لصالح الخيار الاردني
قصة اول وثيقة لاتفاق السلام بين الفلسطينيين واسرائيل قبل 40 عاما!الوثيقة تتضمن تجذيرا لافكار كلينتون ووثيقة “نسيبة – ايلون” وتفاهمات جنيف!
شحاتة طالب مفاوضيه الاسرائيليين باعلان الدولة الفلسطينية خلال اسبوع!
البداية بالتفاوض على حدود 1947 والنهاية بالاتفاق على حدود 1967!
فلسطين بلا جيش والقدس عاصمة اسرائيل وتعديل الحدود وفقا للاحتياجات الاسرائيلية!
أبا ايبان وبيريز توليا دفن الوثيقة لصالح الخيار الاردني
محمد البحيري
بعد ثلاثة ايام فقط من انتهاء حرب يونيو 1967، وتحديدا في 14 يونيو، وتحت عنوان “سري للغاية” قامت مجموعة من ضباط الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية (امان) ورجال الموساد الاسرائيلي، من خلال التشاور مع شخصيات فلسطينية، بوضع اللبنة الاولى لتسوية “دولتان لشعبين”. هذه الوثيقة المنسية تشبه بشكل عجيب والى حد كبير اغلب افكار السلام التي صيغت بعد ذلك بعشرات السنين.
في الايام الاولى من الحرب، كان “ديف قمحي”، رجل الموساد الاسرائيلي الذي تم ضمه الى المخابرات العسكرية الاسرائيلية، في رفح. وكان الضابط الشاب ذو المظهر البريطاني قد التقى بضابط مصري كان من اوائل الاسرى على الجبهة الاسرائيلية المصرية. واقنعه بان يقول لمستمعي الاذاعة في رام الله ان العرب كانوا هم من بدأوا المعركة والقتال في الحرب التي سميت بنكسة 67. وكان رئيس المخابرات العسكرية الاسرائيلية انذاك العميد اهارون ياريف، قد اصدر اوامره الى قمحي لاعادة تشغيل محطة الراديو من جديد وان ينقل من خلالها رسائل تهدئة للسكان العرب. واستجاب قاضي يافا لطلبه بالحديث في اذاعة صوت اسرائيل بالعربية، وان يعد سكان المناطق بالا يتعرض لهم الجيش الاسرائيلي بسوء.
التهدئة
قمحي الذي هاجر الى اسرائيل عام 1946 واصيب في حرب 1948، ضم اليه صديقه “دان بابلي” الذي كان ضابط احتياط بالكتيبة 16 في القدس وبقي بلا عمل. خرج الاثنان الى الضفة الغربية بحثا عن شخصيات اعلامية وجماهيرية عربية كي تساعدهم في اعادة الحياة الى طبيعتها بالمناطق العربية المحتلة. ياريف طلب من قمحي البحث عن شخصيات رئيسية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وان يكتب اليه تقريرا عما سارت اليه الامور والاراء في المنطقة.
الدكتور قمحي الذي قام رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحاق شامير بتعيينه في بداية الثمانينات مديرا عاما لوزارة الخارجية الاسرائيلية، يتذكر قائلا: حصلنا على سيارة وسائق وسلاح شخصي. وفي الموساد لم اعمل بالملف الفلسطيني، وانما كنت غارقا حتى اذني في كل ما يتعلق بالاراضي الفلسطينية. بحثنا عن الاشخاص المطلوبين، واردنا بصفة خاصة الاستماع الى الشخصيات الاكثر تطرفا وان نفهم الى اي اتجاه يميلون.
عزيز شحاتة
اثناء التجول بين بيوت اشراف العرب وكبارهم، وصل الاثنان الى بيت المحامي “عزيز شحاتة” في رام الله. وكان شحاتة يمثل اللاجئين الفلسطينيين في مباحثات مؤتمر لوزان الذي عقد عام 1494، وفي الخمسينات تم ايداعه بالسجن الاردني! وعن ذلك يقول قمحي: لم يكن شحاتة يخفي كراهيته للاردنيين!”. كما كان عزيز شحاتة أول من نادى بالاعتراف بإسرائيل فى الستينيات وتبنى حل سلمى يقيم الدولتين، مما أدى فى النهاية إلى اغتياله.
وفي كتابه “الاحلام والفرص الضائعة 1967-1973″ الذي صدر عام 2002، كتب بابلي عن لقاءهما الاول مع شحاتة قائلا: “لقد دعانا الى استغلال مفاجاة التغيير الجيوبوليتيكي (الجغرافي السياسي) الذي حدث عقب طرد الحكم الهاشمي، والعمل فورا على اقامة دولة فلسطينية. وقال انه بناء على هذا الخط، من الضروري ان تقام الدولة الفلسطينية خلال اسبوع! وان يتم التوقيع على اتفاق سلام مع اسرائيل خلال ثلاثة ايام فقط!
الحديد ساخن!
قبل انتهاء اللقاء قام شحاتة بتسليم ضيفيه الاسرائيليين قائمة باسماء الشخصيات الفلسطينية المحورية المؤثرة. وفي الايام التالية سار قمحي وبابلي من بيت الى بيت، مالئين مذكراتهم بملاحظات وقوائم وتوصيات. وسمعوا الكثير من الاراء والحلول المقترحة. قمحي الذي تقول صحيفة هآرتس الاسرائيلية انه يقوم في السنوات الاخيرة باستغلال علاقاته في هدوء لانقاذ السلام بين العرب واسرائيل يتذكر متحسرا على الماضي: “كان كل شيء عذريا، كان هناك احساس بضرورة طرق الحديد وهو ساخن، واستغلال الفرصة الذهبية التي سقطت بايدينا للتوصل الى تسوية مع زعماء الفلسطينيين. كانت منظمة التحرير الفلسطينية منظمة جديدة (اقيمت عام 1964) ولم تكن قد اكتسبت قوتها بعد، وكانت كراهية الفلسطينيين للاردنيين لا زالت طازجة، ولم نكن قد التهمنا ما التهمناه من الاراضي الفلسطينية.
صالون شحاتة
بعد يومين او ثلاثة، وفي يوم سبت، عاد قمحي وبابلي الى صالون شحاتة الذي استقبلهم مرحبا، بينما قامت ابنته الكبرى سهام بتقديم القهوة المحوجة لهم. بعد ذلك قام شحاتة باخراج ورقتين من احد ادراج مكتبه، قام ابنه “رجاء” بنسخ عدة نسخ منهما، وقدمها لضيفيه، اللذين بدءا في قراءتهما بتمعن. في الورقة الاولى اقترح شحاتة عقد مؤتمر خلال اسبوع يضم مجلسا مكونا من زعامات وقيادات من الضفة الغربية وقطاع غزة. ويقرر المجلس اقامة دولة فلسطينية في الحدود التي بينها قرار التقسيم رقم 181 الصاد عن الامم المتحدة في نوفمبر 1947. اما الورقة الثانية فكانت قائمة تفصيلية باسماء القيادات الفلسطينية التي سيتم دعوتها للمؤتمر، وعددهم 43 شخصا. وقل قمحي وبابلي انه حتى ثمة اسرائيليين مؤيدين لاقامة دولة فلسطينية مستقلة، لن يوافقوا على الخروج عن حدود الهدنة المتفق عليها في رودس 1949، والتي كانت سارية المفعول عشية الحرب. وكتب بابلي يقول: “تسللت لهجة اقرب الى الاعتذار في كلام شحاتة وهو يقول انه اشار الى حدود قرار الامم المتحدة 1947 كنقطة لانطلاق المفاوضات بحسب ما سيقترح على اصدقاءه. كان واضحا له ان الاتفاق النهائي بين الدولة الجديدة واسرائيل سوف يقوم على حدود 5 يونيو 1967.
في اليوم التالي قدم الاثنان (قمحي وبابلي) وثائقهما الى صديقي قمحي بالموساد: اسحاق اورون والعميد هرايفن، اللذين انضما الى قيادة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية (امان). اورون الذي كان لفترة مديرا لمركز الابحاث السياسية في وزارة الخارجية الاسرائيلية، طلب مرافقتهما في لقاء جديد مع شحاتة ومع شخصيات اضافية من منطقة رام الله ونابلس. سافروا من خلال منطقة لطرون وكانوا شهودا على حركة عائلات اللاجئين الذي تم اخراجهم من بيوتهم قبل تدميرها! ويتابع بابلي في كتابه قائلا: “كان المشهد سرياليا ومخجلا في الحركة البطيئة والهادئة للشيوخ والنساء والرجال والاطفال المطرودين من بيوتهم التي من المفترض الا يعودوا اليها ثانية!”. وفي طريق العودة تقرر ان تقوم مجموعة الاربعة بصياغة اتفاق سلام وان تقدمه الى رئيس الحكومة الاسرائيلية وعدد من كبار الوزراء.
سري للغاية!
في 14 يونيو وبعد تسعة ايام من اندلاع حرب يونيو 1967، وتحت خاتم “سري للغاية”، كتبت اول مسودة لاتفاق سلام بين دولتي “فلسطين واسرائيل” تعيشان في سلام الى جوار بعضهما البعض. وببعض التأمل في هذه الاوراق القديمة يمكن العثور على جذور المبادئ الرئيسية الواردة بعد اكثر من 25 عاما في مسودة الرئيس الامريكي بيل كلينتون وفي مفاوضات طابا في وثيقة “ايلون – نسيبة” وتفاهمات جنيف. وكان الصحفي الاسرائيلي عوزي بنزيمان قد تطرق للمرة الاولى الى هذه الوثيقة في مقال نشره بصحيفة هآرتس الاسرائيلية عام 1990، وفي كتابه “القدس.. مدينة بلا اسوار”: “تقام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتطالب هذه الدولة قبولها عضوا بالامم المتحدة. وسوف تكون هذه الدولة مرتبطة باسرائيل عبر اتفاقيات في مجالات الدفاع والاقتصاد والسياحة والنقل (الاشخاص والبضائع)، والضرائب، الخ.
اتفاقية الدفاع بين الدولتين ستضمن امن اسرائيل بالوسائل التالية: لن يكون هناك جيش للدولة الفلسطينية، وانما فقط قوات شرطة، وسوف يقوم الجيش الاسرائيلي بضمان امن وادي الاردن بشكل دائم، سواء بمفرده او من خلال دوريات مشتركة مع قوات الشرطة الفلسطينية. تحديد الحدود بني الدولتين سوف يتضمن بعض التغييرات الحدودية الهامة بالنسبة لاسرائيل والتي تستهدف تقليل عدد العرب الذين سيضمون لدولة اسرائيل قدر الامكان.
“سوف تضم القدس الى اسرائيل، مع وضع خاص للاماكن المقدسة، وسوف تقام بلدية فرعية للجزء العربي من المدينة القديمة. تقيم الدولة الفلسطينية عاصمتها في اقرب نقطة ممكنة من القدس.
منطقتا “لطرون” وجلبوع ستضمان لاسرائيل، ومن اجل اتاحة اتفاق قائم على الاحترام سوف تبحث اسرائيل امكانية التنازل عن عدد من القرى العربية التي بحوزتها، وهو ما سيقلل عدد السكان العرب في اسرائيل ويدعم امنها الداخلي. سيتم بحث امكانية عودة اللاجئين المتواجدين في العريش بسيناء. تقام هيئة لصندوق دولي براسمال عدة مليارات من الدولارات لرعاية اللاجئين وتعويضهم. وسوف تستخدم هذه الهيئة لتشجيع اللاجئين الفلسطينيين على الهجرة الى دول اخرى، وكذلك لتنفيذ خطط للتنمية في المناطق الفلسطينية.
لا رد!
في اليوم التالي نقلت نسخ من الوثيقة الى رئيس الزراء الاسرائيلي ليفي اشكول، ووزير دفاعه موشيه ديان، وللوزراء بنحاس سافير، يجآل آلون، واسرائيل جليلي. ولم يرد اي منهم! ويقول بابلي: “رغم اننا لم نتلق ردا، واصلنا عملنا، لكن الشعور الذي كان يدفعنا ويحفزنا على التحرك تلاشى بسرعة. كان ذلك مشابها لاقصى مشاعر الانتصار المتزايدة من جانب، واثر تلقي هزيمة كاسحة على الجانب الاخر!
قرا العميد ياريف هذه الوثيقة واستدعى قمحي الى مكتبه، وسلمه نسخة من الخطاب الذي اعلن فيه لحاكم الضفة الغربية “حاييم هيرتزوج” تعيين قمحي مسئولا عن “عملية تحقيق التقرب من القيادات الفلسطينية السياسية في الضفة الغربية”، وان يقوم بابلاغ ذلك مباشرة الى قيادة اركان الجيش الاسرائيلي والحاكم العسكري.
“هيرتزوج” المعارض!
تحول هيتزوج الى واحد من ابرز المعارضين بشدة للخيار الفلسطيني. ويقول قمحي ان ابا ايبان وشمعون بيريز كانا هما من احبط مسيرة الوثيقة بزعم ان من الافضل التركيز على الخيار الاردني. ويقول قمحي بحزن واضح: “انا مؤمن باننا كنا قادرين على تحقيق انجاز ما، كان ذلك اهدارا لفرصة نادرة حتى بمفهوم دولة اعتادت الا تهدر فرصة لاضاعة الفرص”!. ووفق ما يعلمه قمحي لم يقم اي طرف حكومي بمناقشة الوثيقة ولم يتطرق احد الى الافكار الواردة بها.
والان وبعد اربعين عاما، لا زال البعض يعتقد ان هذه الافكار التي تضمنتها اول مسودة للسلام بين فلسطين واسرائيل لا زالت سارية ويمكن بحثها، رغم ان الواقع يؤكد ان الصعوبات والعوائق تضاعفت بمقدار اربعين ضعفا منذ ذلك الوقت!
نشرت بجريدة القاهرة بتاريخ 2007


