شهادة السفير حسن عيسى

تقديم

 

اعمل في الشأن العربي الاسرائيلي منذ عام 1962 – وحتى الآن – أي قرابة 47 عاما، عملت خلالها خمس سنوات في اسرائيل – وقبلهم وبعدهم – مديرا لادارة اسرائيل في وزارة الخارجية المصرية. وبقدر ما لهذا الموضوع من أهمية بالغة لتعلقه اولا بقضية العرب الاولى – القضية الفلسطينية – وثانيا لارتباطه ارتباطا عضويا بالامن القومي المصري – بقدر الضآلة النسبية للمعلومات التي يتحتم توفرها عن اسرائيل وعن المشكلة العربية الاسرائيلية. وفيما عدا قلة قليلة من الكتاب الجادين المؤهلين علميا ونفسيا ومعلوماتيا، ممن تصدوا للكتابة في هذا الموضوع، يوجد – في تقديري – ندرة مخلة ومعيبة وضارة في قدر ما نعلمه من معلومات – خاصة الموثقة منها – عن اسرائيل وعن القضية الفلسطينية وتطوراتها وتداعياتها. وتكمن خطورة ذلك في خلو الساحة العلمية من الدراسات الجادة، الامر الذي اتاح – ضمن ما اتاح – تصورات بل واحيانا تهيؤات، منها ما يقلل من خطورة الموقف والمواجهة، ومنها ما يبالغ في تصويرها. وكلاهما لا يضمن معالجة وتحليلا سليما للمشكلة وتداعياتها واستراتيجيتنا المصرية لمواجهتها.

لذلك اسعدني للغاية ان اتابع كتابات الاستاذ محمد البحيري فيما كان ينشره بشكل شبه منتظم في جريدة “القاهرة” التي اترقب صدورها كل ثلاثاء بشغف شديد لما تحتويه بصفة عامة من موضوعات ثقافية وفنية وادبية – وبصفة خاصة لتناولها الجاد لموضوعات السياسة الدولية – كان يشدني منها مقالات الاستاذ محمد البحيري التي كانت يتناول فيها تباعا كل ما يحيط باسرائيل سواء من تطورات سياسية وحزبية داخلية او ما يتعلق بعلاقاتها الخارجية، أهله لهذا – ليس فقط اجادته لغة العبرية مما اتاح له متابعة مجريات الامور الاسرائيلية من مصادرها العبرية مباشرة – ولكن وهو الاهم – رؤيته المتعمقة للشأن الاسرائيلي وبالتالي تحليلاته الدقيقة لتطوراتها. لذلك فرغم متابعتي بحكم عملي لكل ما يتاح لي منشورا عن اسرائيل كان الاستاذ محمد البحيري كثيرا جدا ما ينجح في التقاط موضوعات كان بنظرته الثاقبة وعقليته السياسية ينفرد بتناولها فيفاجئني بالجديد.

الان تفوق على نفسه كصحفي واستدعى ملكاته البحثية ليتناول موضوعا من اكثر الموضوعات حساسية وخطورة وهو موضوع “حروب مصر” – وبالاخطر والاهم – انه يتناول هذا الموضوع بالشرح والتشريح من خلال الوثائق الاسرائيلية التي افرجت عنها السلطات الاسرائيلية بعد مرور المدة القانونية. ولا شك عندي ان القارئ – خاصة المهموم بهذه القضية – لن يفوته طوا اطلاعه على هذا الكتاب الهام – ان المصدر اسرائيلي، وهو ما يتحتم مراعاته باستمرار عند تقييم هذه المعلومات التي لا شك تعبر عن الرؤية الاسرائيلية سواء اغراضا او اقتناعا.

لقد تناول الكاتب والباحث الاستاذ محمد البحيري حروب مصر منذ عام 1948 من واقع الوثائق الاسرائيلية التي كشفت (او اختلقت) معلومات تشير الى ان ملك الاردن ضم جزء من فلسطين الى “شرق الاردن” مقابل التعاون مع اسرائيل، وان مصر ايضا – طبقا لهذه الوثائق – فكرت في ضم جنوب لسطين لها، وهو على حد علمي ما لم اجد له سندا او وثيقة عربية.

اما في حرب 1956 فتدعي هذه الوثائق انه كانت هناك خطة سوفيتية لقصف اسرائيل. في حين تشير جميع الوثائق المتاحة الى ان المقاومة المصرية في القنال، ثم الانذار الامريكي لدول العدوان الثلاثي على (انجلترا – فرنسا – اسرائيل) هو الذي حسم الموقف في النهاية وضع نهاية للعدوان. ولم يكن هناك أي اثر ولا حتى لتهديد روسي جاد. ناهينا عن خطة سوفيتية لقصف اسرائيل.

وفي حرب يونيو 1967 اثار الكاتب الباحث موضوعا جد جديد وهو ان اسرائيل عندما اشتبكت مع مصر في هذه الحرب، فان ذلك كان حلا لمنع انقلاب عسكري في اسرائيل، وهو في تقديري فكر اسرائيلي غير مسبوق وغير معروف في دولة قوامها واركانها واساسها ووزرائها ومسئوليها في غالبيتهم هم المؤسسة العسكرية. وبالتالي على من كانوا سينقلبون؟!

وفي حرب اكتوبر 1973 سعت الوثائق الى ايجاد المبررات والذرائع – بل والخرافات – في محاولة للتقليل من اثر نتيجة عبور الجيش المصري لقناة السويس وما احدثه ذلك من زلزال في كيان وتكوين العسكرية والقيادة الاسرائيلية. وقد شاهدت بنفسي اثر هذا الزلزال عندما عملت في اسرائيل خلال الفترة من عام 1982 وحتى عام 1986، أي بعد 10 سنوات من انتهاء الحرب. فمثلا تدعي الوثائق ان المخابرات الاسرئايلية حصلت على خطة العبور المصرية قبل الحرب بعشرة شهور. والسؤال هو: اذا كان ذلك صحيحا، فما الذي منع الجيش الاسرائيلي من المبادرة بشن الحرب كعادته ومثلما فعل في الماضي اذ لم يكن هناك مبرر حقيقي للحرب؟!. اما الادعاء بان كسينجر اقترح على جولدا مائير خرق وقف اطلاق النار فامر غير مقبول عقلا ومنطقا وفعلا فغالبية الوثائق تشير الى انج ولدا مائير كانت تصرخ اثناء اتصالها التليفوني بكسينجر – عقب العبور المصري – مسنجدة بالولايات المتحدة لانقاذ اسرائيل من الزوال على ايدي المصريين.

وهذه مجرد نماذج لما يجب ان ننتبه اليه ونحن نغوص في هذه وثائق من خلال هذا الكاب الشديد الاهمية والبالغ الخطورة والذي يجب ان يكون في يد كل مهتم او مهموم بهذه المشكلة، لعلنا نؤكد خطأ مقولة موشيه ديان “ان العرب لا يقرأون، واذا قرأوا لا يفهمون، واذا فهموا لا يستوعبون”!

بالغ تقديري للكاتب الصحفي والباحث الاستاذ محمد البحيري. كما اجدد تقديري البالغ للاستاذ الكبير صلاح عيسى، الذي يتيح لنا من خلال “القاهرة” هذا الكشكول الثمين والذي من خلاله فتح الباب امام هذا الكتاب العظيم.

 

السفير حسن عيسى

مدير ادارة اسرائيل بوزارة الخارجية المصرية

القاهرة 2 يونيو 2009

 

من مقدمة كتاب “حروب مصر في الوثائق الاسرائيلية” (تحت الطبع) لمؤلفه محمد البحيري

الردود

  1. أثني كثيرا على شهادة سعادة السفير حسن عيسى الذي أكن له كل الاحترام والتقدير مع معرفتي القصيرة بسعادته فتعلمت منه كيف يكون الانسان مخلصا لوطنه وقضيته كي يحقق آمال ابناء شعبه. كل الاحترام والتقدير لشخصه الكريم ولكل من يحبون هذا الرجل الصادق. أرجو ان تبلغه كلماتي هذه لأنني لا اعرف الايميل الخاص بسعادته.
    د. سلمان الحسنات – فلسطين

  2. اشكرك يا دكتور سلمان
    وجاري ابلاغ سعادة السفير حسن عيسى برسالتك
    وهو بحق كما تقول

    تحياتي


اترك رداً

ردك: