يقولون إن إنشاء دولة إسرائيلية وأخرى فلسطينية يعني ترسيخ العداء والكراهية
مستوطنون يشكلون جماعة تدعو إلى التعايش مع الفلسطينيين وإقامة دولة واحدة “ثنائية القومية” أو البقاء تحت الحكم الفلسطيني
- · لو كان علي سالم موجودا لذرف دموعه تأثرا برؤية حاخام يصيح “الله أكبر” والمستوطنون يرددون ورائه!
- · يؤمنون بانه لو كان اليهود الشرقيون هم من اقاموا اسرائيل لعاشوا بسلام مع الفلسطينيين في دولة واحدة!
- · باتشنيك: “سنظل في مستوطناتنا تحت الحكم الفلسطيني كي نحافظ على يهودية الارض!”
- · الحاخامات والمتطرفون يباركون الجماعة لانها تحسن صورتهم امام الرأي العام الداخلي والدولي!
- · عمروسي: “امنحونا 10 او 20 سنة لنجرب طريقتنا.. وانا ضد اقامة دولة فلسطينية وهناك امور أهم من الحقوق السياسية كتطوير المستشفيات والمدارس
- · كوهين: لو كنت مكان اوباما لاستبعدت حل الدولتين وسعيت لاقامة كونفيدرالية فلسطينية اسرائيلية بحقوق متساوية للجميع
**********
محمد البحيري
***********
رغم الخرس الذي اصاب “اليسار الاسرائيلي”، وضياع الفروق بين اليسار واليمين، وبين المعتدلين والمتطرفين في اسرائيل، ظهرت مؤخرا جماعة جديدة بين المستوطنين اليهود تدعو الى مبادرة لحل قضية الصراع العربي الاسرائيلي بطريقة بسيطة، تتلخص في اقامة دولة واحدة ثنائية القومية يعيش فيها الفلسطينيون واليهود جنبا الى جنب. وتدعو هذه الجماعة التي تطلق على نفسها اسم “يروشلايم” او “القدس” الى فتح حوار مع الفلسطينيين، يبدأ بصبغة دينية في الاساس ليتطور الى حوار سياسي بعد ذلك.
ويقود هذه الجماعة كل من “شموليك كلاين” من مستوطنة “نافيه دانيال”، و”ناحوم باتشنيك” من مستوطنة “سدي بوعز” التي يحب ان يصفها دوما بانها مستوطنة “غير شرعية”، بالاضافة الى شاعر يدعى اليعاز كوهين. ويؤمن هؤلاء بين اجراء حوار بين هذين النقيضين، اي المستوطنين والفلسطينيين، يمكن ان يؤدي الى تحقيق سلام واقعي، لا يمكن تحقيقه بالتهديد الدولي وقرارات الامم المتحدة!
وليس بالصدفة ان يكون اغلب المشاركين في هذه الجماعة من المستوطنين صغار السن، ابناء الجيل الثاني الذي ولد او على الاقل نشأ في المستوطنات، وهو الجيل الذي تقول عنه صحيفة هآرتس الاسرائيلية يرى “الدولة” تهرب منه من ناحية، عبر انشاء جدار العزل العنصري واخلاء المستوطنات وتجميد البناء في الاستيطان، ويدرك من ناحية اخرى ان جيرانهم الفلسطينيين لن يهربوا الى اي مكان آخر، فهم متمسكون بارضهم!
المطر اولا
وفي قرية فلسطينية تقع بين مدينتي الخليل وبيت لحم، اجتمع منذ شهر، عشرات المستوطنين والفلسطينيين، في قاعة مدرسة محلية، للحديث معا عن أداء صلوات مشتركة للاستسقاء، من اجل الدعاء الى الله لانزال المطر، الذي سقط من تلقاء نفسه دون الحاجة الى صلواتهم، ولكنهم مع ذلك واصلوا اجتماعهم، لانهم في الحقيقة جاءوا للحديث عن انفسهم.
تحدث الجانبان باللغة العبرية، وجلسوا مختلطين ببعضهم البعض، حتى بات من الصعب التفريق بين الفلسطيني والمستوطن – على حد تعبير الصحيفة الاسرائيلية – وسادت اجواء اخوية غريبة، ربما لان الفلسطينيين المشاركين في هذا الاجتماع، يعملون بالاساس في المستوطنات، فيعمل احدهم في المجلس المحلي لاحدى المستوطنات، بينما يعمل الثاني عامل نظافة، والثالث من قدامى الموظفين في مستوطنة مجاورة.
واعتاد الحاخام مناحم برومان، الذي يعد الاب الروحي للجماعة، القول ان بعض المستوطنات قد تتحول لتكون من ابرز مظاهر السلام. ولا يتردد في القول “انا اشعر بالخجل” حينما تحدث المضيفون الفلسطينيون عن الطريق المتواضع الذي مهدوه في وسط قريتهم، وحرثته ادارة الاحتلال، وعن رفض الاحتلال الاسرائيلي منحهم تصريحا لبناء مأذنة فوق المسجد الصغير بالقرية. والحاخام مناحيم فرومان، هو حاخام مستوطنه تاقوع، ويشارك منذ سنوات في مبادرات للحوار بين الاديان، ولم يتردد في اجراء العديد من الاتصالات مع حركة “حماس”، بل ومع حركة “الجهاد الاسلامي” ايضا!
لا يخفي اعضاء هذه الجماعة من المستوطنين خوفهم من اتهامهم بالخيانة بين اقرانهم من بقية المستوطنين، المعروفين بتطرفهم، خاصة ان الامر قد يصل الى حد اهدار دمائهم، كما حدث مع واحدة من اعضاء الجماعة حاولت نشر تقرير عن لقاءات الجماعة مع الفلسطينيين في جريدة محلية، ولذلك طلب الاعضاء من صحيفة هآرتس عدم نشر اسم القرية الفلسطينية التي تجري فيها هذه اللقاءات واسماء المشاركين الفلسطينيين.
لا تيار
ولا يوجد تيار سياسي واحد يجمع عشرات المستوطنين الذين انضموا الى هذه الجماعة، ويفضلون تأجيل الحديث عن حل سياسي الى مرحلة لاحقة، ولكنهم يكادوا يتفقون على حل “الدولة ثنائية القومية” التي يدعو اليها اليعاز كوهين علنا وبوضوح تام، بل ان ايميلي عمروسي تفضل هذا الحل عن بقية الخيارات المتاحة، وهناك من يوافق على اقامة دولة فلسطينية يبقى فيها المستوطنون اليهود ليعيشوا كمواطنين متساوون في الحقوق مع الفلسطينيين! وهذه الفكرة طرحها الحاخام فرومان خلال اتصالاته مع حركة حماس!
ولا يجد الشاعر اليعاز كوهين افضل من استحضار كلمات النبي زكريا من التوراة في لقائه مع الفلسطينيين: “لا تسيئوا الظن في قلوبكم بأي احد”، ويكتسب الامر اهمية اضافية عندما يتبين ان مسجد القرية الفلسطينية مقام على قبر النبي زكريا.
لو كان الكاتب المسرحي المصري علي سالم، رائد التطبيع، موجودا في هذا اللقاء لربما ذرف دموعه تأثرا بهذا اللقاء، الذي اختتمه الحاخام فرومان وهو يصيح “الله أكبر.. الله أكبر”، بينما رفع مستوطنون ايديهم للدعاء على الطريقة الاسلامية ليرددوا كلمات الحاخام مع جيرانهم الفلسطينيين المشاركين في اللقاء!
اللقاء الاول
عقد اللقاء الاول لاعضاء هذه الجماعة من المستوطنين مع الفلسطينيين قبل 3 اشهر. وعقد اللقاء الثاني بعد ذلك بشهر في فندق “ايفرست” في مدينة بيت جالا الفلسطينية، وشارك فيه عدد قليل من السمتوطنين الذين ذهبوا الى هناك بسياراتهم المتواضعة، بينما كان عدد الفلسطينيين الذين اتوا من مدينة الخليل ضعفهم على الاقل. وفي فناء الفندق كان هناك ملعب لكرة السلة، ذهب ابناء احد المستوطنين المشاركين للعب فيه، وسرعان ما انضم اليهم طفل فلسطيني، وبدون لغة مشتركة بين الجانبين نجحوا جميعا في التعاون واللعب معا.. وكان ذلك في نظر المشاركين قمة هذا اللقاء.
ناحوم باتشنيك (37 سنة)، هو احد مؤسسي هذه الجماعة، وهو مستوطن ينحدر لاسرة من كبار رجال الدينم اليهودي في اوكرانيا، ويقول: “احرص على تعليم بناتي الصغيرات الا يقطفوا ثمار شجر التين التي تبعد عن بيتنا بضعة امتار لانها ملك للفلسطينيين ولا يجوز السطو عليها!”. ويضحك باتشنيك ثم يقول: “اقول لهم ذلك رغم اني اعيش في مستوطنة غير شرعية، وتريد دولة اسرائيل طردي منها، فهناك امر هدم صادر بحق منزلي، ولكني اشعر اني لا اعيش هنا كمحتل، واشعر ان هناك مكان لكل فلسطيني كي يعيش هنا”.
وهو يرى ان الكراهية والاغتراب ليسا نتاج الاحتلال، “وانما نتاج الخوف الذي يقضي علينا”. بل ان هذا المستوطن اليهودي يقول انه لو لم يقم ديفيد بن جوريون واليهود الغربيين بانشاء دولة اسرائيل، وقام بانشائها بدلا منهم اليهود الشرقيون بعقليتهم التي اكتسبوها حياتهم في الدول الاسلامية، لكانت اسرائيل اليوم دولة رائعة ثنائية القومية، ولاستطاع الفلسطينيون واليهود الحياة معا في سلام!
ويقول باتشنيك ان والديه هاجرا الى فلسطين دون ان يعلما ان فيها اناسا آخرين، وهو يرى ان خطأ الجيل الاول من المستوطنين اليهود ليس الاقامة في الضفة الغربية وغزة، “لان العودة الى ارض ابائنا ليس خطأ، لاننا ننتسب اليها تاريخيا، وانما كان الخطأ الكبير الذي ندفع ثمنا فادحا له الان هو عدم جرأتنا وعدم قبولنا وعدم قدرتنا على ان نرفع عيوننا ونقول “يوجد هنا اناس ينبغي ان نعرف كيف سنعيش معهم وكيف سنتقبلهم”.
اما ما ادى الى تفتيح عيون باتشنيك على ضرورة الحياة والتعايش مع الفلسطينيين، فيقول: “انه موت جيراني في منتصف الانتفاضة الاولى، “ايتا” و”افرايم تسور”. فقد اخذت كل طاقة هذا القتل الى خانة الكراهية، ولكنني اذكر انني كنت اقف فوق سطح منزلهما، انظر باتجاه رام الله، وقلت لنفسي: “ماذا يحدث هنا؟ وكان هذا سؤالا بسيطا وصعبا في نفس الوقت. فهناك مكان ومتسع للجميع، فلماذا يحدث ذلك؟ لماذا يقتلوننا ونرد عليهم بطائرات الهليكوبتر التي تقصف رام الله؟ عندها وجدت انه لا توجد مشكلة في اتساع الارض، وانما المشكلة تكمن في اتساع القلب، والخوف من انني اذا اعترفت بالاخر ساعطيه مكانا، واذا اعطيته مكانا لن يكون هناك مكان لي!”.
شاعر
اما الشاعر اليهودي المستوطن اليعاز كوهين (37 سنة)، فولد في مستوطنة “بتاح تكفا”، ثم انتقل حيث يعيش الان في مستوطنة “كفار عتسيون” التي تعد اول مستوطنة تقام في الضفة الغربية بعد احتلالها عام 1967، واقيمت على ارض قرية “الخضر” العربية، على طريق “الخليل- بيت لحم”. وقد اصدر كوهين مع زميله شموليك كلاين مجلة باسم “معيد الروح” مخصصة للشعر الديني، وتحدث في اشعاره عن ضرورة الحياة والتعايش مع الفلسطينيين. ويشارك في تنظيمات تدعو الى اللقاء والتحاور مع الفلسطينيين منذ اواخر التسعينيات.
ويعتقد كوهين ان ثمة وعي ينمو بين المستوطنين بان هناك شعب آخر هو الفلسطينيون هنا، بدليل تزايد الاقبال على جماعته “يروشلايم” خاصة من ابناء الجيل الثاني من المستوطنين. وهو يقول: “انشغل المستوطنون الاوائل بتأسيس البنية التحتية لاقامة الدولة الاسرائيلية، لكنهم لم يحكوا لنا الحكاية كاملة، فالفلسطينيون كانوا هنا دوما كالظل”.
اختفاء الفلسطينيين
وتقول ايميلي عمروسي، احد الوجوه المعروفة في مجلس مستوطنات الضفة الغربية، وهي متحدثة واديبة وصحفية، وتبدو كوزيرة خارجية خاصة بالمستوطنات: “هناك كلمات تتطاير في الهواء اثناء اللقاء دون ان ينطق بها احد، مثل “الاحتلال” و”ارهابي” و”تفجيرات”. وتشير الى اعتقاد المستوطنين انه سيأتي يوم يختفي فيه الفلسطينيون، معتبرة ذلك نوعا من الفانتازيا، لكنها تؤكد: “الفلسطينيون مشهد يبدو امامك دوما من النافذة، فنحن نعيش فوق جبل واحد ونشرب من نفس المياه”. وتقول عمروسي، وهي ليست عضوة بجماعة “يروشلايم”، انه بعد اللقاء الاخير مع الفلسطينيين في مدرسة القرية، ذهبوا جميعا الى مسجد القرية، وسألها مضيفهم الفلسطيني قبل دخولها المسجد عما اذا كانت طاهرة، ففهمت المقصود، واجابت بالايجاب، ثم دخلت لاول مرة في حياتها الى المسجد. ولكن لم توضح عمروسي سبب دعوة الرجل الفلسطيني لليهود كي يدخلوا المسجد! وتقول: “بعد ذلك ذهبنا الى بيت عمدة القرية (المختار)، حيث استقبلتنا زوجته واهتمت كثيرا بصور ابنائي التي اضعها على تليفوني المحمول… شعرت اني دخلت مكانا ساخرج منه مختلفة”.
وتقول عمروسي ان بناء الجدار العازل هو ما غيرها، وتضيف: “صرت اشعر بمعاناة الفلسطينيين، لاني اراهم عند الحواجز الامنية، واقول لنفسي: “ان هذا الفلسطيني يقف هنا مرة ثانية تحت الشمس، وقد كان هنا امس، واول امس، فلماذا لا يسمحون له بالمرور؟!”.
ولا تستبعد عمروسي ان يكون المستوطنون هم جسر السلام بين اليهود والفلسطينيين، وترفض وصف ذلك بانه خدعة يمارسها اليمين الاسرائيلي، وتقول: “استطيع ان اتحدث عن السلام، وانا اعارض أي انسحاب اقليمي من الارض، واعارض كل عملية السلام! فتعالوا نبدأ من تحت، تعالوا نبدأ من مثل هذه اللقاءات. لنرى كيف سيكون الوضع بعد 10 او 20 سنة!”. وعندما قيل لها ان الفلسطينيين لا يمكنهم ان يصبروا 20 سنة اخرى، وانهم يريدون العدل والمساواة الان، قالت عمروسي: “انا ضد اقامة دولة فلسطينية، وادرك انه اذا كانت هناك مساواة في الحقوق سوف تتحول اسرائيل الى دولة ثنائية القومية. ولكن هناك امور عاجلة واكثر اهمية من الحقوق السياسية، فينبغي ان تكون الاولوية لحالة المستشفيات والمدارس والنهوض بها لتطويرها!”.
وتوضح عمروسي ان الدعوة الى تحويل اسرائيل الى دولة ثنائية القومية تتزايد بمرور الوقت بين المستوطنين، بما في ذلك المتدينين منهم، والمحافل التوراتية والسياسية. وتضيف: “ان فكرة اقامة دولتين لا تنسجم مع فكرة العودة الى جبل صهيون. فانا مذعورة من اقامة دولة فلسطينية. وافضل بدلا من ذلك تحويل اسرائيل الى دولة ثنائية القومية!”.
ويقول اليعاز كوهين بلا تردد انه ايضا يؤيد الدولة ثنائية القومية، ولكن الفكرة تبدو عنده اكثر روحانية من عمروسي، ويقول: “لو كنت مكان الرئيس الامريكي باراك اوباما لاستبعدت فكرة انشاء دولتين، وبدأت في ربط وتخييط المجال الجغرافي السياسي المسمى فلسطين واسرائيل معا وبدأت في انشاء وحدة كونفيدرالية تتضمن حقوقا متساوية للجميع!”.
ديكور
بعد الاجتماع الاخير مع الفلسطينيين قام مستوطنون باشعال النار في مسجد قرية ياسوف، وقام اعضاء جماعة “يروشلايم” برئاسة الحاخام فرومان، بالخروج الى القرية واشتروا مصحفا جديدا، وطلبوا مساعدة الفلسطينيين في اصلاح ما لحق بالمسجد من اضرار، ولكن قوات جيش الاحتلال الاسرائيلي رفضت السماح للمستوطنين بالعبور الى القرية الفلسطينية.
وعلى عكس ما يعتقد البعض تحظى هذه الجماعة بمباركة الكثير من المستوطنين لانها تحسن صورتهم أمام الرأي العام الداخلي والدولي على حد سواء.
ويوضح باتشنيك الصورة اكثر حين يقول: “سنظل في مستوطناتنا مع دولة اسرائيل او بدونها، فنحن باقون هنا، والحل كما يقترح البعض ان تكون المستوطنات تحت الحكم الفلسطيني، وانا واثق انهم سيحترموننا جدا ويتقبلوننا”. ويوضح باتشنيك اكثر حين يقول: “سوف نظل على هذه الارض في مستوطناتنا للحفاظ على يهوديتها وليس اسرائيليتها، وهناك كثيرون مثلي”.
نشرت بجريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية بتاريخ 2 فبراير 2010

























