مفاوضات السلام في الشرق الأوسط في حاجة إلى “صدمة”!
ابو مازن يفكر في اعلان استقلال الدولة الفلسطينية على طريقة “كوسوفو”.. وإسرائيل خائفة واوباما يعارض
- · نتنياهو خائف ومصادر إسرائيلية تتحدث عن معارضة مصرية وسعودية وأمريكية للفكرة
- · الخطة تقتضي إعلان استقلال فلسطين على حدود هدنة 1949 وعاصمتها القدس واعتبار المستوطنات تحت السيادة الفلسطينية!
- · وزير إسرائيلي سابق يحث عباس على تنفيذ الفكرة ويعتبرها مهمته الاخيرة
- · يوسي ساريد: أبو مازن سيكون بن جوريون الفلسطيني و 150 دولة ستعترف باستقلال الدولة الجديدة فورا!
- لم يتجرأ الصرب على اجتياح كوسوفو وروسيا لم تسمح لنفسها بالبقاء في حدود جورجيا بعد الحرب.. فماذا سيفعل نتنياهو وباراك؟!

بقلم: محمد البحيري
يبدو ان الجمود المتواصل على الساحة الفلسطينية بات اقوى مما يمكن تليينه بالمفاوضات. وان الامر بات في حاجة إلى “صدمة” من نوع ما، لتحريك هذا الراكد بقوة. في البداية اعتقد البعض ان إعلان أبو مازن عن عزمه عدم ترشيح نفسه لخوض الانتخابات الرئاسية الفلسطينية سوف يكون هو الباعث على تحريك الركود. لكنه لم يفعل. وتلى ذلك الحديث عن عزمه إعلان استقالته من منصبه الان. ولكن ذلك لم يؤت ثماره ايضا. والان يجري الحديث عن ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يفكر في تنفيذ ما بات يعرف بـ”مسار كوسوفو” عبر إعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية على حدود هدنة 1949. وهو الاقتراح الذي يلقى معارضة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. ونقلت مصادر إسرائيلية عن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قولها لعباس ان خطوة كهذه سوف تعد موجهة ضد الرئيس الأمريكي باراك اوباما نفسه الذي ارسل الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلينتون إلى رام الله لوقف تنفيذ هذه العملية.
وذكرت المصادر الإسرائيلية ان تصريحات أبو مازن بشأن رفضه استئناف التفاوض مع إسرائيل ما لم تتوقف اعمال الاستيطان خاصة في القدس الشرقية، وتصريحاته اللاحقة بشأن عزمه عدم الترشيح لخوض انتخابات الرئاسة الفلسطينية القادمة، والحديث عن قرب إعلان استقالته من منصبه، والشعور بخيبة الامل من الرئيس اوباما، يعتبرها المسئولون في تل ابيب وواشنطن انها كانت مجرد تمهيد لتنفيذ خطة إعلان جمهورية فلسطين الاسلامية المستقلة، على غرار ما فعلته كوسوفو في فبراير 2008، قبل عام ونصف فقط من الان.
وذكرت المصادر ان مصر والسعودية والولايات المتحدة تعترض على هذه الخطة، وان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون اوضحت ذلك لابو مازن في حوار حاد للغاية خلال زيارتها الاخيرة إلى رام الله في 31 اكتوبر الماضي، وعبر مكالمتين هاتفيتين خلال الشهر الحالي مع الرئيس اوباما، إلا أن أبو مازن يسير على طريق تنفيذ المخطط.
وبدا واضحا من حديث المصادر الإسرائيلية انها تستهدف تبرير الموقف الإسرائيلي المتعنت لحكومة بنيامين نتنياهو بشأن رفضه ايقاف الاستيطان، حتى ان المصادر ذاتها تضيف قائلة ان حكومة نتنياهو لو وافقت على وقف الاستيطان نزولا على طلب أبو مازن، فان أبو مازن نفسه لن يوافق على مقابلة نتنياهو، وحتى اذا قابله في ظل ضغوط أمريكية سوف يخرج أبو مازن بعد اللقاء الاول او الثاني ليعلن ان المفاوضات قد فشلت! والغريب هنا ان المصادر الاسرايلية ترمي إلى القاء اللوم ومسئولية فشل المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى قبل ان تبدأ، بما يعد منح نتنياهو صك براءة مبكرة!
وذكرت المصادر الإسرائيلية ان الخطة الفلسطينية تقضي بانه لا حاجة لمزيد من المفاوضات مع إسرائيل، طالما ان الدولة الفلسطينية المستقلة ستقام خلال الشهور القريبة القادمة مع او بدون موافقة إسرائيل، وتكون عاصمتها القدس، وحدودها هي حدود هدنة 1949. وفي اطار إعلان الاستقلال هذا سوف تكون المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية سوف تكون تحت السيادة الفلسطينية. ولكن المشكلة الرئيسية التي تواجه أبو مازن، ليس معارضة الولايات المتحدة لهذه الخطة، وانما الموقف الدستوري بالنسبة لرئاسته لفلسطين، ومنصب رئيس الوزراء والبرلمان الفلسطيني. وقد اعلن أبو مازن عن اجراء انتخابات لهذه الهيئات في 24 يناير 2010، ليقوم بتنفيذ مسار كوسوفو فور إعلان نتائج هذه الانتخابات.
اختلافات
ومع ذلك يشار إلى ان الوضع في الضفة الغربية اكثر تعقيدا مما كان سائدا في كوسوفو عند إعلان استقلالها. فوفقا للقانون الدولي ما زالت كوسوفو تعد اقليما صربيا كان في بدايته تحت ادارة الأمم المتحدة، وانتقلت السيطرة عليه الان إلى الاتحاد الاوروبي. وقد اجتمع برلمان كوسوفو الذي لا تعترف به صربيا، في فبراير 2008، واعلن عن اقامة جمهورية كوسوفو، التي تضم جيوبا صربية. (ووفقا لخطة أبو مازن ستكون المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مثل الجيوب الصربية في كوسوفو).
ورغم مرور ما يقرب من عامين منذ تلك الخطوة، لم يعترف بدولة كوسوفو سوى 63 دولة من اعضاء الأمم المتحدة، و لكي تصبح كوسوفو او غيرها عضوا في الأمم المتحدة يجب أن تحصل على اعتراف 97 دولة. ومع ذلك اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارا في اكتوبر 2009 يطالب المحكمة الدولية في هاج باتخاذ قرار يحدد ما اذا كان إعلان استقلال كوسوفو جائزا ونافذا ام لا.
ويرجع سبب عدم اعتراف الكثير من الدول باستقلال كوسوفو إلى خشية تلك الدول من اقرار مبدأ دولي وقانوني يتيح لكل اقلية عرقية او دينية في بلادهم باتخاذ خطوات مشابهة وإعلان استقلالهم داخل حدود دولهم الاصلية. واذا اقدم أبو مازن على تنفيذ سيناريو كوسوفو سوف يكتسب “مسار كوسوفو” دعما اضافيا على مستوى العالم.
ويشير إسرائيليون، في سخرية مستحقة طبعا، إلى ان البان كوسوفو كانوا يمثلوا وحدة وطنية، في حين تنقسم السلطة الفلسطينية إلى كيانين: احدهما في الضفة الغربية تحت حكم حركة فتح، والآخر في غزة تحت حكم حركة حماس.
وتشير التقديرات إلى انه في حالة عدم اجراء الانتخابات الفلسطينية في 24 يناير 2010، لن تكون هناك شرعية قانونية او دولية للرئيس الفلسطيني أبو مازن، بما يعني تضاؤل فرص نجاح “مسار كوسوفو” على المستويين الدولي او الداخل الفلسطيني.
ويقول مراقبون إسرائيليون ان أبو مازن عندما اعلن عن عزمه عدم ترشيح نفسه لخوض انتخابات الرئاسة الفلسطينية كان يستهدف تحرير نفسه من القيود التي تكبل منصبه وفقا للدستور الفلسطيني، وان يقدم نفسه للعالم على انه “زعيم وطني فلسطيني” حقق إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة!

أمريكا تتصدى!
وتشير بعض التقارير إلى ان الرئيس الأمريكي باراك اوباما يبذل قصارى جهد لوقف تنفيذ هذا السيناريو واعادة أبو مازن إلى مائدة المفاوضات مع إسرائيل. وقال البعض ان اوباما لجأ إلى استغلال انعقاد ما يعرف بالملتقى السادس لمنتدى سابان في القدس، والذي انعقد السبت الماضي (14 نوفمبر) والذي يشارك فيه كل من الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلينتون، وحاكم ولاية كاليفورنيا الممثل ارنولد شوارزنجر، وخمسة من اعضاء الكونجرس، بالاضافة إلى عدد من كبار مستشاري الرئيس اوباما، ومنهم دينيس روس المستشار الخاص لاوباما. واستغل اوباما تلك الفرصة عبر ارسال كل هذه المجموعة الثقيلة لمقابلة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض في رام الله، يوم الاحد 15 نوفمبر، لتحقيق هدف مزدوج: اولا تذكير أبو مازن بوجود “قادة” فلسطينيين آخرين في الضفة الغربية يمكن لواشنطن ان تعتمد عليهم لخوض انتخابات الرئاسة الفلسطينية بدلا من عباس. وثانيا اقناع الدوائر الدبلوماسية في رام الله بالتخلي فورا عن فكرة “مسار كوسوفو”.
وتكتسب مشاركة الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلينتون اهمية كبيرة. فهو يعد في كوسوفو الاب الروحي لاستقلال الالبان، والرجل المسئول عن تحقيق هذا الحلم الوطني. وقد صنع له الالبان تمثالا لتكريمه، وتم تنظيم حفل استقبال رسمي ومهيب له خلال زيارته لكوسوفو في مطلع شهر نوفمبر الحالي. وتأتي مشاركة كلينتون ضمن الوفد الأمريكي الذي زار رام الله لتوجيه اشارة إلى الفلسطينيين بانهم اذا لم يسيروا في المسار الذي تحدده لهم ادارة اوباما لن يكون هناك أي احتمال لاستنساخ “مسار كوسوفو” في الضفة الغربية.
وتعتبر إسرائيل ان تصريحات رئيس طاقم المفاوضات الفلسطيني صائب عريقات، يوم السبت 14 نوفمبر، حول عزم السلطة الفلسطينية التوجه إلى مجلس الامن للحصول على اعتراف بقيام الدولة الفلسطينية على حدود 1967، وعاصمتها القدس، بمثابة محاولة فلسطينية للدفع باتجاه فكرة أبو مازن. ويستدل الإسرائيليون على صحة قولهم بالقول انه لم يكن من باب الصدفة ان يشير عريقات فقط إلى دعم موسكو وسكرتير عام الأمم المتحدة لهذه الفكرة، دون اية اشارة إلى الموقف الأمريكي.
إسرائيليون يدعمون
كان لافتا للنظر ان ثمة إسرائيليين يدعمون فكرة إعلان استقلال الدولة الفلسطينية من طرف واحد، دون موافقة إسرائيل او حكومتها. وكان ابرز هؤلاء هو يوسي ساريد، الوزير السابق وزعيم حزب ميرتس اليساري السابق والمستشار الاعلامي للحكومة الإسرائيلية سابقا. ودعم ساريد فكرة إعلان استقلال الدولة الفلسطينية في مقالة بصحيفة هآرتس الإسرائيلية، تحت عنوان واضح تماما وهو “فلسطين الآن. ودعا ساريد ابا مازن إلى عدم اليأس، معلنا دعمه في موقفه واستهجانه لتواصل المفاوضات بلا نهاية بين الفلسطينيين والإسرائيليين طوال 42 عاما، أي منذ 1967.
وقال ساريد ان على أبو مازن مهمة واحدة قبل اعتزال العمل السياسي، وهي ان “يعلن من طرف واحد عن اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؛ فلسطين الان”. واكد ساريد على ان الحق في احادية الجانب محفوظ للجانبين. وان أبو مازن ملزم بإعلان استقلال الدولة الفلسطينية رغم ان ذلك يخيف بنيامين نتنياهو ومن المتوقع صدور فيتو أمريكي عليه. ويضيف: “اذا كان هذا كابوس نتنياهو، فانه الامل الاخير لنا في انهاء الاحتلال في عصرنا”.
وقال: “في إعلان الاستقلال سيدعو الرئيس عباس ابناء الشعب اليهودي، سكان الدولة الفلسطينية – إلى الحفاظ على السلم، وان يساهموا في بناء الدولة على اساس المواطنة الكاملة والمتساوية، وعلى أساس التمثيل المناسب في كل مؤسساتها”.
ولا يتردد ساريد في تشبيه ما ينبغي على أبو مازن فعله بما فعله الزعيم الإسرائيلي ديفيد بن جوريون عند إعلان اقامة دولة إسرائيل. فيقول: “وهكذا يصبح عباس هو بن جوريون الفلسطيني. فقد أعلن بن جوريون هو الاخر عن اقامة الدولة اليهودية في ظروف غامضة”. بل انه يشير إلى ان المخاطرة التي سيتخذها أبو مازن اقل بكثير مما اتخذه بن جوريون حينذاك. ويبشر ساريد بان 150 دولة على الاقل، من اصل 192 دولة عضو في الأمم المتحدة سوف تعترف بالدولة الفلسطينية مباشرة، بما يجعلها عضوا فوريا في الأمم المتحدة.
ويهون ساريد من شأن المعارضة الأمريكية، مرجحا عدم موافقة اوباما على العودة إلى عزل أمريكا عن العالم، حيث سيكون العالم كله في جانب الدولة الفلسطينية المستقلة، وستجد أمريكا نفسها إلى جانب إسرائيل فقط! ويتساءل ساريد في استهزاء: “ماذا سيفعل نتنياهو عندئذ؟!. هل سيهاجم ليعيد احتلال المناطق الفلسطينية؟ هل سيعيد الحكم العسكري إلى رام الله؟ وماذا سيفعل ايهود باراك؟! أي أمر بالضبط سيصدره لجيوشه؟ فلم يتجرأ الصرب على اجتياح كوسوفو التي أعلنت مؤخرا عن استقلالها. وحتى روسيا الكبرى لم تسمح لنفسها بالبقاء في النطاق السياسي لجورجيا بعد الحرب بينهما!”.
ويتوقع ساريد اجواء البهجة التي سترافق إعلان الاستقلال الفلسطيني قائلا: “فور الإعلان، ستبدأ احتفالات الاستقلال في العاصمة، في القدس الشرقية بمشاركة مواطنين من كل العالم وكذلك من إسرائيل. وجموع بيت اسماعيل سيمرون في احياء المدينة ولا سيما في تلك الاحياء التي سلبوا منها بقوة حراب الكهنة. ينبغي لذلك أن يكون فرحا دون أي مظهر عنف، دون رشق حتى ولا حجر واحد”.
وختم يوسي ساريد مقاله بالكشف عن اجرائه مكالمة هاتفية هذا الاسبوع مع أبو مازن، الذي لم يتحدث اليه منذ 4 سنوات. وطرح عليه فكرة إعلان الاستقلال، مبشرا اياه بزوال الاحتلال الإسرائيلي “حتى لو عززوه بالمسامير!”. لكن ساريد لم يكشف عن رد أبو مازن!
نشرت في الصفحة الرابعة بجريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية بتاريخ 17 نوفمبر 2009